د. مصطفى محمود.. غزالي القرن العشرين

شــادي زريــبي
فتح عينيه بقرية "شبين الكوم" بمحافظة المنوفية …عاش في مدينة طنطا بجوار مسجد "السيد البدوي" الشهير الذي يعدّ أحد مزارات الصوفية الشهيرة في مصر، مما ترك أثره الواضح على أفكاره وتوجهاته… أجرى حوارا" مطوّلا" مع صديقه الملحد… رحلته انطلقت من الشك إلى الأيمان بعد أن بحث في لغزَي الموت والحياة… مفكر وطبيب وكاتب وأديب مصري… مصطفى محمود "ولد يوم 27 ديسمبر1921 " غيّبه الموت يوم 31 أكتوبر 2009الماضي بعد صراع مرير مع المرض… محمود صاحب البرنامج الأشهر عربيّا " العلم والأيمان" رحل بعد أن ترك حوالي 90 أثرا فكريّا جلّها تمحورت حول المواضيع الدينية الفلسفية التي تبحث في جواهر الأمورالروحية والباطنية ولا ترضى بالتسليم والقنوع و"إخماد" جذوة إعمال العقل.
اقتحم عديد المناطق الشائكة بكلّ جرأة ولم يخش ردود الأفعال الصادرة آنذاك من قبل علماء الأزهر ومشايخ الزوايا.. رفع شعار "المراهنة الكبرى" التي خاضها ولاتزال تلقي بــ"ظلالها" علينا إلى اليوم.
بدأ مصطفى كمال محمود حسين آل محفوظ، حياته متفوقًا في الدراسة، حتى ضربه مدرس اللغة العربية، فغضب وانقطع عن الدراسة مدة ثلاث سنوات إلى أن انتقل هذا المدرس إلى مدرسة أخرى فعاد مصطفى محمود لمتابعة الدراسة.
وفي منزل والده أنشأ معملاً صغيرًا يصنع فيه الصابون والمبيدات الحشرية ليقتل بها الحشرات، ثم يقوم بتشريحها، وحين التحق بكلية الطب اشتُهر بـ"المشرحجي"، نظرًا لوقوفه طول اليوم أمام أجساد الموتى، طارحًا التساؤلات حول سر الحياة والموت وما بعدهما.
نذكر هنا أن مصطفى محمود كثيرا ما اتهم بأنَّ أفكاره وآراءه السياسية متضاربة إلى حد التناقض،إلا أنه لا يرى ذلك، ويؤكد أنّه ليس في موضع اتهام، وأنّ اعترافه بأنّه كان على غير صواب في بعض مراحل حياته هو ضرب من ضروب الشجاعة والقدرة على نقد الذات، وهذا شيء يفتقر إليه الكثيرون ممن يصابون بالجحود والغرور، مما يصل بهم إلى عدم القدرة على مواجهة أنفسهم والاعتراف بأخطائهم.
في الستينات بدأ التيار المادي يتزايد وتظهر الفلسفة الوجودية، لم يكن مصطفى محمود بعيدا عن ذلك التيار الذي أحاطه بقوة، يقول عن ذلك: "احتاج الأمر إلى ثلاثين سنة من الغرق في الكتب، وآلاف الليالي من الخلوة والتأمل مع النفس، وتقليب الفكر على كل وجه لأقطع الطرق الشائكة، من الله والإنسان إلى لغز الحياة والموت، إلى ما أكتب اليوم على درب اليقين"… ثلاثون عاما من المعاناة والشك والنفي والإثبات… ثلاثون عاما من البحث عن الله!، قرأ وقتها عن البوذية والبراهمية والزرادشيتة ومارس تصوف الهندوس القائم عن وحدة الوجود حيث الخالق هو المخلوق والرب هو الكون في حدّ ذاته وهو الطاقة الباطنة في جميع المخلوقات، تلك النظرية التي تركت ظلالا على التصوف الإسلامي،الثابت أنه في فترة شكه لم يلحد فهو لم ينفِ وجود الله بشكل مطلق، ولكنه كان عاجزا عن إدراكه، كان عاجزا عن التعرف على التصور الصحيح لله،هل هو الأقانيم الثلاثة أم يهوه أو " كالي" أم أم أم…هذه التجربة صهرته بقوة وصنعت منه مفكرا دينيا خلاقا، والحقيقة لم يكن مصطفى محمود هو أول من دخل في هذه التجربة فقد اقتحمها الجاحظ قبل ذلك، كما فعلها ديكارت تلك المحنة الروحية التي يمر بها كل مفكر باحث عن الحقيقة.
ومثلما كان أبو حامد الغزالي"الملقب بحجة الإسلام ولد في مدينة طوس الفارسیة في خراسان في حدود عام 450هـ/1058م. عالم وفقيه ومتصوِّف إسلامي، أحد أهم أعلام عصره وأحد أشهر علماء الدين في التاريخ الإسلامي وتوفي عام 505هـ/1111م" يشك في الحواس والعقل والحياة الشعورية، كان مصطفى محمود الذي اعتمد على الفطرة، حيث يرى أن الله فطرة في كل بشري وبديهة لا تنكر، وهو بذلك يقترب كثيرا في تلك النظرية من نظرية "الوعي الكوني" للعقاد، لذلك كان شك الغزالي صاحب فضل عليه فهو الذي دفعه إلى البحث وطلب الحقيقة وتلمس الإيمان. وإن كان الغزالي ظل في محنته 6 أشهر فان مصطفى محمود قضى ثلاثين عاما.
قدّم مصطفى محمود برنامجه التلفزيوني الشهير "العلم والإيمان" الذي يروي عنه إنه عندما عرض على التلفزيون مشروع برنامج العلم والإيمان، وافق التلفزيون راصدًا 30 جنيه للحلقة ، وبذلك فشل المشروع منذ بدايته إلا أن أحد رجال الأعمال علم بالموضوع فأنتج البرنامج على نفقته الخاصة ليصبح من أشهر البرامج التلفزيونية وأوسعها انتشارا على الإطلاق، لازال الجميع يذكرون سهرة الإثنين الساعة التاسعة ومقدمة الناي الحزينة في البرنامج وافتتاحية مصطفى محمود "أهلا بكم"إلا أنه ككل الأشياء الجميلة كان لا بد من نهاية…البرنامج الذي شدّ انتباه الملايين في جلّ الأقطار العربية توقّف بعد أن بُثّ منه 400 حلقة.
تعرّض لأزمات فكرية كثيرة كان أولها عندما قدم للمحاكمة بسبب كتابه "الله والإنسان" وطلب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر بنفسه تقديمه للمحاكمة بناء على طلب الأزهر باعتبارها قضية كفر!..إلا أن المحك




























