|
|
| عندما نتحدث عن الشعر فإننا ـ بدون شك ـ نكون أكثر قربا من أنفسنا . فإن كان النثر أكثر مسايرة للعقل وأكثر مسؤولية فإن الشعر أكثر علوقا بالقلب وأكثر امتزاجا بالهواجس الداخلية للإنسان بل أنه يثير حواسه ويستفزه , وقد يكشف عن سر أحلامه , ولقرب الشعر من الإنسان هذا القرب وصف إنتاج كثير من الشعراء بالأدب الهامس , وإن كانت نسبة منهم قد توغلوا بالغوص وراء الحس إلى درجة أننا لا نكاد نفهم عنهم ما يقولون .. ولعلاقة الشعر بالعاطفة فليس من الإنصاف تحميله علي المنطق والعقل , بل هو إلى الأحلام أقرب (1) .. فما الشاعر إلا حالم , والأحلام قد تأتي مشوهة أو ناقصة , فمن الطبيعي أن تكون أحيانا غير طبيعية .
|
ولكننا اليوم أمام شاعر , غاية ما يمكن أن نقول فيه أنه يتحدث بلغة عصره , نعم إذا كان الشعر تعبيرا عن الحياة فإن ذلك يقتضي أن يتحدث الشاعر بلغة عصره .. رجب الماجري لم يقع في إشكاليات المعنى , ولا إشكاليات اللغة , فذاتيته لم تطغَ علي الفكرة في أشعاره , شأنه في ذلك شأن شعراء جيله , والجو الثقافي الذي نشأ فيه .
ما عثرت عليه من قصائد للشاعر رجب الماجري يعبر معظمها عن كونها وطنية التزامية , حيث لا نجد اختلافا كبيرا بينه وبين طبقته أو القريبين من طبقته في الشعر , وإنما نجد تناغما موحدا لرجال شعراء عاشوا ظروفا متشابهة , سياسيا واجتماعيا … فإذا وجدنا الماجري يستعجل قطع أية علاقة تربط البلاد بالإنجليز وبقواعدهم في قصيدته : (2)
ليهنك موطني عهــد جديد طوى الإذلال مطلعـــه السني
ليهنك إن تكـن طلقت حقا عجوزا وصلها حمـــق وغي
سياستها لرائـــدها طريـق مضل ذو شعــاب لولبــي
فهذا الشرق ـ وهو اليوم نار مؤججة ـ بصحبتهـــا شقي
فلا يغررك أن وهبتك مـالا زهيدا , كل ذي غرض سخي
تجود لغايــــة تسعى إليها خداعا , فهو جــــود أشعبي
ليهنك في ظلال العــز عيش رغيد ـ رغم قسوتــــه ـ رخي
إذا وجدنا هذا , فإننا نجد تجاوبا عند شاعر آخر عاش نفس المرحلة ونفس المعاناة النفسية التي تعرض لها الماجري , وهو الشاعر أبو القاسم أبو ديّة , الذي يبدو أنه قد تنفس الصعداء في قصيدة (الجلاء) , التي يلمح فيها وهو في فرح غامر أنه لا يكاد يصدق بأن الجلاء قد تحقق في قوله : (3)
عيد الجلاء وما الجلاء بهيّــنٍ إذا كان مثل حكايــة العنقاء
إذا كان حلما في الخيال محلقا وبلوغه أقصى من الجوزاء
واليوم قد صار الخيال حقيـقة والفضل فيه يعـــود للنجباء
رحل الدخيل عن البلاد وما درى أن لا بقاء يدوم للدخلاء
كذلك نجد نفس التناغم لدى شاعر ثالث من نفس المرحلة هو المرحوم حسين الأحلافي حين عبر عن بهجته برحيل الطليان في قصيدته التي منها : (4)
هنا فرح وفي رومـــا حداد ليحيا الحق وليحيا الجهاد
أباة الضيم إن اليـــوم عيد به ابتهجت بأجمعها البلاد
مضى عهد الطغاة إلى الجحيم فلا رجعت ولا رجع السواد
وغير هؤلاء ممن شكلوا جبهة رفض قوية , نسمعه يتردد ـ علي سبيل المثال ـ في شعر علي صدقي عبد القادر وعلي الرقيعي وحسن السوسي ومحمد الفيتوري ومن في طبقتهم .. وقبلهم صدح صوت أحمد الشارف وأحمد رفيق المهدوي وإبراهيم الأسطى عمر وغيرهم …
والظاهر أن رجب الماجري مع شاعريته تلك لم يكن لينا مع نفسه , ربما لأنه لم يلتمس للظروف المحيطة به بعض الأعذار , أو ما من شأنه ردع تنغيص الضمير أمام الظواهر والممارسات التي لا تعجبه , مع نفسه ومع المجتمع من حوله , مما يجعله أحيانا يصرح بما يزعجه أو لا يصرح , كما يمكن أن نقرأ في قوله : (5)
أنــا لا أحيــا على الأحـلام والصوت الحنون
إنمــا أحيـا على الآلام والوجــد الـــدفين
إنهــا درب حيــاتي , إنهــا رجــع لحوني
عشت في الشوك وللورد اشتياقي وحنيني
وليس لنا أن نسأل الشاعر , أو ننكش عن حياته الخاصة , أو نحاسبه في فترة من فترات ثرائه العاطفي وشبابه المبكر .. فكم وفد على ذهنه بعد ذلك من ثقافة وأفكار واحتكاك بشتى تجارب الحياة , عدّلت مساره , وجعلت له وجهات نظر مختلفة وقناعات جديدة تجاه الأمور , ولا أوافق محرر مجلة (ليبيا) الصادرة سنة 1951 بأنه يسمع نغمة نشاز , هي نغمة اليأس المبكر , ويتساءل ما سبب ذلك ..؟ (6) ربما لأنه رأى مفارقة , كما جاء في المقطوعة السابقة :
|