الثقافة والتراث في ليبيا: كنوز تنهل من عبق التاريخ

تسهم السياحة إسهاما كبيراً في الدخل القومي لدى العديد من الدول في العالم فقد سجل دخل الصين مثلاً من قطاع السياحة سنة 2007 في حدود 160.3 مليار دولار، في حين كان دخل ماليزيا فى ذات العام 15 مليار دولار، وكان دخل مصر من السياحة نحو 8.2 مليار دولار، كما كان دخل تونس 1.98 مليار دولار، في حين كان دخل الأردن في الثمانية الأشهر الأولى من ذات العام نحو 1.95 مليار دولار، هذا من حيث الدخل.
كما أن السياحة في ذات الوقت تحقق دعاية للدولة المضيفة وبالتالي فهي توفّر فرص عمل جديدة بالإضافة إلى رفع المستوى الثقافي لأفراد المجتمع، فالسياحة أصبحت للعديد من الدول الكبرى عاملا كبيراً وهاماً في النشاط الاقتصادي وجذبت لها العديد من الأنشطة الاستثمارية الكبرى، وتعتمد صناعة السياحة على محور أو هدف أساسي ألا وهو اجتذاب السائحين، وهذا يتطلب اتحاد كافة مرافق الخدمات وقطاعات الدولة الواحدة، وفي الآونة الأخيرة تنوعت سبل اجتذاب السياح حيث لم تعد حكراً على المتاحف والمدن الأثرية والقديمة، بل أصبحت للسياحة أهداف متعددة كالسياحة الدينية والعلاجية والرياضية والاستجمام والفنية وسياحة المؤتمرات والمهرجانات وما إليها.
والهيئة العامة للسياحة بالجماهيرية تشرف على العديد من المهرجانات السياحية التي تحظى بإقبال جماهيري من داخل وخارج الجماهيرية ومنها على سبيل المثال لا الحصر مهرجان غدامس وغات والخريف "هون" وغيرها.. حيث تعتبر المهرجانات السياحية من أهم وسائل الجذب السياحي والإعلامي، لما لها من قدرة على تنويع مفردات الجذب السياحي، حيث تعتبر المهرجانات بؤر "زمكانية" لإبراز المنتوج السياحي، إذ عادة لا تتجاوز أيام المهرجان ثلاثة أيام من حيث الزمن وتقام أنشطتها في أماكن الجذب السياحي من مدن قديمة ومتاحف وأودية ومسارح قديمة.
* المهرجانات الليبية.. تراث وأصالة
ومن هناك آمنت ليبيا بقدرة المهرجانات السياحية والتراثية خاصة في انعاش الاقتصاد واسهامهما في التنمية المستديمة الى جانب ما يحققان لها من دعاية سياحية وثقافة شاملة، فكان ولايزال للجماهيرية السبق في ابتكار العديد من المهرجانات التراثية الكبرى التي تمثل أبرز الوجهات السياحية الموسمية للسياح الداخليين والأجانب لانفرادها بعرض مفردات فسيفساء التراث الليبي بكامل تفاصيله المشوقة على غرار مهرجان "تينيري" لحفظ التراث التارقي بمدينةغدامس الذي يشمل برنامجه على تجسيد الحياة اليومية التقليدية التارقية، وعروض المهاري، وإحياء حفلات فنية ساهرة تحييها فرق التوارق.
وهو مهرجان يقام بالتوازي مع مهرجان غدامس السياحي، نهاية شهر التمور/ أكتوبر/ تشرين الأول من كل عام، ويعد المهرجان أحد أهم المقاصد على خارطة السياحة الليبية لما تزخر به المدينة من موروثات حضارية ومعالم تاريخية قل نظيرها على المستوى العالمي، هذا إلى جانب مهرجان الخريف السياحي بمدينة هون الذي يقام أيضا بداية شهر التمور/ أكتوبر/ تشرين الأول من كل سنة والذي يعمل على إبراز الصناعات التقليدية وعروض الأزياء الليبية والألعاب الشعبية القديمة، وطرق ووسائل الحياة في المجتمع الليبي القديم، بالإضافة إلى التعريف بمعالم مدينة هون القديمة.
كما يعتبر مهرجان غات السياحي الدولي الذي يقام نهاية شهر الكانون/ ديسمبر/ كانون الأول من كل سنة وسط فضاءات مدن غات، والبركت، وتونين، من أهم المهرجانات التراثية الليبية وتتضمن فعاليات المهرجان عروضاًتراثية ومعارضاً تقليدية ومعالم التراث الثقافي والحياة التقليدية في مدن غات القديمة "أغرم" و"البركت" و"تونين"، بالاضافة إلى فقرات فلكلورية فنية تحييها الفرق الشعبية المشاركة وعروض وسباقات للمهاري.
كما يعتبر مهرجان المالوف والموشحات الذي تحييه مدينة طرابلس الليبية كل سنة في الشهر المبارك "رمضان" أحد أهم المهرجانات الفنية والثقافية للجماهرية، فهو مشروع ثقافي ديني يسهم في استقطاب كل الطاقات الفنية الليبية وتنمية الذوق والحس والفكر على المستوى الوطني والدولي، كما يعمل على الحفاظ على الموروث الثقافي الليبي وتناقله بين الأجيال من خلال الاهتمام بفرق المدائح والمالوف وإقامة عديد المهرجانات والفعاليات الفنية لها كذلك الإحاطة بالإرث الحضاري والتأكيد على ما تتمتع به مدينة طرابلس من موروث ثقافي خالد.
* متاحف ليبيا.. القداسة بين يدي التاريخ
وغير بعيد عن المهرجانات التراثية والثقافة والفنون الشعبية الليبية المتميزة تسهم المتاحف الليبية الضاربة في عمق التاريخ في ابراز المخزون الأثري والحضاري لليبيا التاريخ والحاضر والمستقبل ولعل من أبرز متاحف ليبيا التي يفوق عددها خمس وعشرين متحفا مايلي:
1 - متحف السراي الحمراء: أو مجمع متاحف السراي الحمراء، أو المتحف الجماهيري في قلعة طرابلس بمدينة طرابلس العاصمة الليبية، أقدم وأكبر المتاحف الليبية وهو مقسم عمليا إلى أربعة مستويات "متاحف" تعرض تراث وتاريخ ليبيا عبر فترات زمنية مختلفة تضم حضارات القبائل الليبية والإغريق والفينيقيين والرومان والبيزنطيين والعصور العربية.
وتاريخ انشاء المتحف يعود الى عام 1919، حيث قام الإيطاليون الذين غزوا ليبيا عام 1911 بتحويل بناء بجوار القلعة التي كانت مقرا للحكم في السابق ولأول مرة إلى أول متحف في تاريخ ليبيا الحديث، وهو بناء كان مخزنا للذخيرة. وفي عقد العشرينات تم إزالة البناء وكافة ملحقات القلعة، حيث تحولت بأكملها عام 1930 إلى متحف تحت اسم "المتحف الكلاسيكي" إبان فترة حكم إيتالو بالبو. وفي عام 1948 تحولت القلعة بأكملها إلى "المتحف الليبي".
ويعرض المتحف مجموعة من الآثار الليبية والتي تعود إلى عصور وحقب مختلفة بينها ليبية قديمة وإغريقية ورومانية، إضافة لمجموعة من التماثيل واللوحات الفسيفسائية التي عثر عليها في مناطق مختلفة من ليبيا.
بدأ إنشاء مجمع المتاحف بالسراي الحمراء والذي تقدر مساحته بعشرة آلاف متر مربع عام 1982 داخل أسوار قلعة طرابلس، وقد تم تنفيذه تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم "اليونيسكو" لمراعاة المباني القديمة للقلعة.
ويضم المجمع متحف التاريخ الطبيعي، ويعرض نماذج من متحجرات حيوانية ونباتية وصخور مختلفة التكوين ومجموعة من الحيوانات المحنطة وأقسام للأحياء البرية وللحشرات والطيور. إضافة لمتحف القبائل الليبية القديمة ومتحف التراث الليبي عبر العصور ومتحف ما قبل التاريخ.
2 - متحف المنحوتات في شحات: متحف شحات أو متحف المنحوتات في شحات في ليبيا. هو متحف يتوسط مدينة شحات الأثرية، المتحف يضم نحو 150 قطعة أثرية تعتبر من أهم الآثار التي عثر عليها حتى الآن في المدينة، اذا استثنيت الآثار التي اكتشفت في شحات والمناطق المحيطة بها والمعروضة في المتاحف العالمية.
معظم التحف المعروضة في المتحف تعرض بأسلوب "العرض الحر" إضافة إلى بعض القطع المعروضة داخل خزائن زجاجية. كما تعرض في المتحف مجموعة مميزة من لوحات الفسيفساء وتوابيت رومانية كما توجد شواهد قبور إسلامية كتبت بالخط الكوفي.
وتتوزع تواريخ معروضات المتحف ما بين العصور الإغريقية والهلينستية والرومانية وحتى الإسلامية لتغطي فترة زمنية تمتد من القرن السابع قبل الميلاد حتى القرن العاشر بعد الميلاد.
من أبرز معروضات المتحف تمثال "الاسفنكس" الضخم الواقف على عمود أيوني على شكل رأس امرأة وجسم لبؤة وجناحين ضخمين. إضافة إلى مجموعة تماثيل أخرى بينها تمثال "أفروديت" آلهة الجمال الأنثوي عند الإغريق. كما يوجد داخل خزانة للعرض أصابع تمثال يبلغ حجمه 12 مرة حجم الإنسان وكان منصوبا في معبد "زيوس" في التلة الشرقية من مدينة شحات.
ويتكون المتحف من ساحة كبيرة للعرض تبلغ مساحتها 600 متر مربع مقسمة إلى ثلاثة أجنحة رئيسية الجناحان الشرقي والغربي والجناح الأوسط، وللداخل للمتحف عبر اليمين تعرض مجموعة من التماثيل الجبسية تعتبر نسخا لتماثيل رخامية تمت سرقتها من مدينة شحات عبر أوقات مختلفة ويعرض العديد منها في متاحف عالمية بينها متاحف في باريس ولندن وغيرهما.
وتوجد في القاعة الغربية مجموعة من الأعمال الفنية المتمثلة في ألواح حجرية منحوتة تدون مجموعة من الأحداث التاريخية والمعتقدات الليبية القديمة.
3 - المتحف الإسلامي "طرابلس": هو متحف تم انشاؤه في عام 1973. ويضم مجموعة من الصور التي توضح أهم الآثار الإسلامية الموجودة في ليبيا، إضافة إلى كمية من العملات التي ترجع إلى عصور الحكم الإسلام
المزيد