خليفة أحواس: ليبيا قِبلةَ المبدعين الذين ينشدون الحريّةَ
كتبهاعبدالناصر الباح ، في 5 نوفمبر 2009 الساعة: 20:48 م
خليفة أحواس: ليبيا قِبلةَ المبدعين الذين ينشدون الحريّةَ

عبد الدائم السلامي
العرب العالمية
يُعدُّ الدكتور خليفة أحواس، امين العضوية باتحاد الكتاب الليبيين وعميد كلية الحقوق بجامعة التحدي وأستاذ القانون العام فيها، من الفاعلين الثقافيّين البارزين في ليبيا من خلال وفرةِ مساهماتِه الفكريّة الثَرَّةِ في المنتديات المحلية والإقليمية والعالمية، وكذلك عبر ما نَشَر من كُتب طالتْ مجاليْ القانون والإبداع السرديّ. إذْ صدرت له مجموعة من الكتب العلمية نذكر منها "اللامركزية في ليبيا بعد الثورة" منشورات جامعة قار يونس، و"القانون الدستوري والنظم السياسية" منشورات جامعة التحدي و"القانون الدستوري الليبي" منشورات مجلس الثقافة العام. أمّا كتبه الإبداعيّة فتنوّعت أجناسُها حيث شملت المقالةَ الأدبية والقصةَ القصيرة والعمودَ الصحفيّ، من ذلك نذكر "نقوش على جبين الوطن" منشورات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع، "إغفاءة على ضفيرة الشمس" منشورات الدار الجماهيرية للنشر والتوزيع "الظل الثالث" منشورات دار الملتقى، بيروت. وقد التقيت الدكتور خليفة أحواس خلال إشرافه على اللجنة التحضيرية للمؤتمر الرابع والعشرين للأدباء والكتاب العرب الذي انعقد مؤخّرا بمدينة سرت، وأجريت معه الحوار التالي:
*ما الأسباب التي جعلت فعاليات المؤتمر الرابع والعشرين لاتحاد الأدباء والكتاب العرب تحظى بكلّ هذه العناية الإعلاميّة رغم أنّ الجماهيريّة احتضنت كثرةً كثيرةً من الفعاليات الفكريّة والإبداعيّة الهامّة ولم تلقَ نفسَ الاهتمام؟
- أخشى أن يكون في سؤالِك ما يشي بعدم اطّلاعك على الساحة الإعلامية الليبيّة في تعاطيها مع الأنشطة الإبداعيّة، إذْ ما إنْ تنهض جهة مَّا لاحتضان فعالية فكريّة حتى يتجنّد لها الإعلام يُغطّيها بمَتْنِها وحَوَاشِيها في كثير من الجرأة والحريّة. وإذا افترضتُ صحيحًا ما ذهبتَ إليه، أقول إنّ الجماهيريّة العربية الليبيّة كانت وستظلّ القِبلةَ الأولى لكلّ المبدعين العرب الذين ينشدون الحريّةَ والدّيمقراطيةَ بفضل ما انبنتْ عليه سياساتُها من احترامٍ للمبدعين وتثمينٍ لجهودِهم وإطلاقِ منابرَ مخصوصةٍ بهم يمارسون فيها حقوقَهم القوليةَ. ولا شكّ، والحال هذه، في أن يحظى المؤتمر الرابع والعشرون لاتحاد الأدباء والكتاب العرب باهتمام إعلاميٍّ كبير حشدت له لجنتُه التحضيريّة كلّ الإمكانات المادية والمعنويّة لإنجاحه باعتبارِه أكبر تظاهرة فكريّة عربيّة تحضرها النخبة النيِّرة من كلّ قطر عربيٍّ. ولقد تجلّى اهتمام ليبيا بهذها المؤتمر من خلال لقاء الأخ القائد معمر القذّافي برؤساء الوفود المُشاركة والاستماع إليهم وتثمين دورهم الحضاريّ في تحقيق وحدةِ الإبداع في وطننا العربيّ. ويبدو أنّ انفتاح الجماهيريّة على محيطها الإبداعيّ العربيّ ودعمها للفعل الفكريّ الوحدويِّ أمران جعلا من هذا المؤتمر بؤرةَ إشعاعٍ تسابقت وسائل الإعلام المحلية والأجنبية إلى تغطيةِ مناشطِه سواء ما تعلّق منها بانتخابات الأمانة العامة لاتحاد الكتاب العرب أو ما صاحب ذلك من ندوات فكريّة وأمسيات شعريّة ومعارِضَ للفنون التشكيلية. وفي المُحصِّلةِ نقول إنّ انعقاد هذا المؤتمر بالجماهيريّة سيظلّ نقطة فاصلة في تاريخِه من حيث النجاحُ الذي حقّقَ على مستوى الشكلِ التظيميّ وعلى مستوى المضمون الفكريّ.
*ثمة حديث يدور في كواليس مجمّع قاعات "واقادوقو" حول مقاطعةِ بعضِ الكتّاب الليبيّين لفعاليات هذا المؤتمر، ما خلفيةُ ذلك؟
- ليبيا وطن الحُريّات بامتيازٍ. وفيها لا أحد يفرض رأيه على أحدٍ إلاّ ما كان منه خادِمًا للمصلحة العامّة للجماهير. وعليه، فإنّ تغيّبَ بعض الكتّاب الليبيّين عن حضور هذا المؤتمر يُعدُّ علامةً صحيّةً في مشهدنا الفكريّ، لا بل ودَلالةً على ما يتمتّع به المبدع الليبيّ من حرّية اتخاذ قراراته بنفسِه دون إملاءاتٍ. ثمّ كيف يمكن أن ندعو جميع كتّاب ليبيا، وهم بالآلاف، إلى مؤتمر عربيّ دعوْنا إليه عددا كبيرًا من أعضاءِ اتحادات الكتاب العرب؟ المسألة تنظيميّة عادية بالنسبة إلينا، ونرى أنّ تواجد الكتّاب الليبيّين في هذا المؤتمر كبيرٌ جدّا إذْ حضر عدد هامٌّ من ممثِّلي فُروع الرابطة في الشعبيات من مختلِف مناطق الجماهيريّة. وأمّا الذين لم يحضروا فلهم أسبابُهم ولا نرى أنّ ثمة خلفياتٍ مَّا وراء عدم حضورِهم اللهمّ إلاّ إذا كانت مصطنعةً، فدعوة الكتّاب كانت مفتوحة. ولا أظنّ أنّ شأنًا مَّا من شؤون رابطتنا قد يقف حاجِزًا أمام حضورهم فعالياتِ هذا المؤتمر. ولو افترضنا أنّ ثمّة أمرًا يخصُّ علاقة أعضاء أمانة الرابطة بالكتّاب، فإنّ نباهةَ المبدع الليبيّ ووعيَه الجماهيريَّ سيجعلانه يتجاوز هذه الاختلافات بل ويرى فيها ضربًا من ضروب حقّ الاختلاف في الرأي الذي لا يؤدّي إلى الخلافات فيه. لا بدّ، وفقَ ما أرى، من أن يكون لكلِّ واحدٍ من المبدعين ما به ينماز عن الآخر، لأنّ في التشابه موتًا لخصوصيةِ فعلِ العقلِ.
*ما الذي أضفتموه إلى مناشط رابطة الكتاب والأدباء الليبين بعد تولّيكم امانة عضويتها بأمانتَها العامّة منذ ما يزيد عن خمس سنوات؟
- الحقيقة أقول إنّ رئاستي لامانة العضوية بأمانة اتحاد كتاب ليبيا لا يعني أنّي الفاعلَ الوحيدَ فيها، بل أمرُنا شورى بيننا بما يخدم الفكر والإبداع في بلدنا. وما وُجودي على رأس الرابطة إلاّ من باب تنويع التجارب وتجديد الرؤى في إطار الرؤية الشاملة التي سَنّها الأخ قائد الثورة في حُكم الشعب نفسَه بنفسِه، وهذا لا يجعلني أنفي مجهودات أعضاء الرابطة السابقين أمثال الاساتذة علي فهمي خشيم وخليفة المصراتي وأمين مازن وغيرهم الذين أسّسوا، كلّ من جهته وباجتهاداته الخاصّة، لنهوضٍ إبداعيٍّ طال مجالاتِ الفكر كلَّها، وساهموا في نشر النِّتاج الإبداعي الليبي وتسويقه في الفضاءات الثقافية العربية والأجنبيّة. لقد اتفق أعضاء الرابطة الحالية على إنجاز مجموعة من المناشط التي تتغيّا تحقيقَ جملةٍ من مطالِبِ مبدِعينا التي منها إعادة مجلّة "الفصول الأربعة" إلى الصّدور بانتظام وبحُلّة جديدةٍ وبطرائق انفتاحٍ على الأدب الليبيّ والعربيّ متنوّعةٍ. كما آثرنا توزيعَ المناشط الفكريّة على فروع الرابطة في شيءٍ من القضاء على المركزيّة التي تشهدها بعض الاتحادات العربية. وفي هذا الصدد صار بإمكان أيّ فرعٍ من فروع الرابطة أن يبرمج مجموعة من الأنشطة الفكريّة ويُنجزها بدعمٍ من الجهات ذات الاختصاصِ. وقد حاولنا في الفترة الأخيرة تحيين منهج الرابطة في التعاطي مع الشأن الثقافي المحليّ والعربيّ والإفريقيّ، حيث انفتحنا بأنشطتنا على كلّ ما هو خادم لمصلحة الجماهير والسير بها صوب غاياتها في الانعتاق من العبوديّة ومظالِم التاريخ، وما هذا المؤتمر إلاّ عيّنة على ما ذكرتُ.
*نظرًا إلى اطلاعكم على المنجز الفكري في المشهد الثقافيّ العربيّ، كيف توصِّفون العلاقة بين السياسيّ والإبداعيّ فيه؟
- الكتابةُ شكلٌ من أشكالِ السياسةِ، هي سياسةُ المعاني وانتظامها في سياقٍ فنيٍّ يجعل من الأثرِ المكتوبِ حمّالَ رُؤًى خادمةً للواقعِ بجميعِ عناصِرِه. وأزعم أنّه لا يوجد إبداعٌ يخلُصُ به صاحبُه النيّةَ للإبداع، ذلك أنّ إبداعًا لا يتناول ظاهرات الواقع بالتحليل والتأويل وطرحِ البدائل يبقى فعلاً نَشازًا غير راهنيٍّ. وعليه، فإنّ الفعل الإبداعيَّ فعلٌ بشريٌّ تتعاطاه نُخبةٌ أو فئةٌ من النّاسِ في سعيٍ إلى معاضدةِ باقي سياقاتِ النهوضِ الاجتماعيِّ والأخلاقيِّ والسياسيِّ عامّةً. ومن ثمة يصعب الفصل بين الإبداعيّ والسياسيِّ، بدليل أنّ بعضًا من الزعماء السياسيّين هم مبدعون على غرار ما فصّل القول فيه بعضُ المُحاضرين بخصوص أدب الكاتب معمّر القذّافي الذي انعقدت حولَه الندوة الثانية المصاحبة لهذا المؤتمر. ثمّ إنّ أيّ فعلٍ إبداعيٍّ بشريٍّ يتغيَّا خدمةَ الناسِ هو نوعٌ من التدبيرِ الدُّنيويِّ، والتدبيرُ بابُ السياسةِ وأسُّها، والسياسةُ هي فنُّ تنظيم الأفضيةِ الواقعيّة والتخييليّةِ. والذي أذهب إليه في هذا الشأن هو أنّ الإبداع والسياسة فعلان يكمّل أحدهما الآخر ويتّجهان إلى غايةٍ واحدة هي خدمةُ الإنسان وِفْقَ ما نصّت عليه النظرية العالمية الثالثة للأخ قائد الثورة. ومتى وُجِدَ إبداع نابعٌ من نفسٍ صادقةٍ متصالحةٍ مع ذاتِها ومع واقعها، كان ضربًا من ضروبِ الفعلِ السياسيِّ في معناه العامِّ، وبهذا التوصيفِ ينتفي التعارُضُ بين الفعليْن في الواقع.
*بالرّغم من أنّ مناخَ قصص كتابكم "الظلّ الثالث" مناخ صحراويّ فيه ما في الصحراء من فنطاستيك وإدهاش وغرائبيّة، فإنّ أحداثَه والشخصيات الفاعلة فيه منحوتةٌ من عجينةِ الواقع. كيف وفّقتم في جمعِ العجيبِ مع الواقعيِّ؟
- أنا كاتب نبتَتْ مُخيَّلتُه في أعماقِ الصحراءِ، وتعتعتْني فيها ثوراتُ رمالِها وسكونُ ليلِها وتماسُّ السماء بالأرضِ فيها صباحَ مساءَ. وهو ما جعل كتاباتي تمتح من عالَمِ الصحراء أوصافَ كائناتِي الورقيّةِ. ولكنّ الصحراء ليست رمالاً وجِمالاً فقط، بل هي بشرٌ صامدون يبحثون عن معانيهم المنثورة بين حبّات الرّملِ. بشرٌ يصنعون إيطيقاتِهم الخاصّةَ ويبنونَ ألفاظَهم خيماتٍ قوليّةٍ يمتزج فيها السحر بالواقع والشعر بالنثر والشُحُّ بالماءِ. وأرى أنّ جميع النظريات والمناهج الأدبيّة إنّما ظهرت بعد ظهور الإبداعِ، وعليه، فهي تبحثُ في أفضيةِ المكتوب عن عناصِرِه الأولى المكوّنة له، فأحيانًا تُقِرُّ بعجائبيّتِه وأحيانًا تُقرُّ بواقعيتِه، وأحيانًا أخرى تبقى عاجزةً عن الإحاطة بأفانينِه إحاطة واضحةً. ولا أذكر أنّي، لحظة انصباب فكرةِ قصّةٍ من قِصَصي عليَّ، قد فكّرتُ في منهجِ كتابتِها، فالكتابةُ كالنّوءِ والنّقد كالأرضِ تُزهِرُ بها ويهيجُ حشيشُها.
*الإعلامُ المكتوبُ والكتابةُ: أيّهما يخدمُ الآخر؟
-لا أرى في هذه الإشكالية تنافُرًا: فالكتابةُ الإبداعيّةُ دون إعلامٍ تبقى حبيسةَ الظُّلمةِ، والإعلامُ دون كتابةٍ إبداعيّةٍ يبقى جافًّا قليلَ الماءِ، ومن هنا ظلّت العلاقة بين المبدع والإعلاميّ علاقة تراشُحٍ متبادَلٍ ما جعل أغلبَ النشريات الإعلامية تنهضُ على كتاباتِ المبدعينَ. وإنّي أرى في صحيفة العرب العالمية، التي كنتُ أحرصُ على متابعتها منذ تأسيسِها، منبرًا إعلاميًّا قلّما وُجدَ أمثالُه في الصحافة المكتوبة من جهة حِرصِه على اتباع منهجٍ عروبيٍّ لم يتزحزح عنه قيدَ أنملةٍ رغمَ الهزّاتِ والأزمات العالمية التي دفعت ببعضِ الصحف الأخرى إلى الانزياحِ بمناهجها التي قامت عليها صوبَ دروبٍ اخرى مناقضةٍ لها بحثًا عن المالِ وتحسينِ الأحوالِ. ولا أخفيكَ سرًّا بأنّ بعضًا من القرّاء كانوا قد خافوا من أن يتدنَّى مستوى الصحيفة بعد موتِ مؤسّسِها المغفور له الحاج أحمد الصالحين الهوني أو أن تنخرطَ في موجة الانزياحات التي تشهدها أغلب الصحف العربية وبخاصة منها تلك التي تصدر بالخارج، إلاَّ أنّ أبناءَه بدَّدوا مثلَ هذا الخوفِ وواصلوا مسيرةَ والِدهم الإعلامية بثباتٍ وحملوا عنه مشعلَ الدِّفاعِ عن القضايا القومية والدعوة إلى الوحدة العربية بل وزادوا في شُعلتِه بدمائهم الشابّةِ حتى أصبحت العرب العالمية من المنابر الإعلامية الأكثر مقروئيّةً في ليبيا وفي باقي الدول العربية. بل وصارت محرارًا لقيسِ نبضِ جماهيرِ العربية من المحيط إلى الخليج وإحساساتِها الوطنية والقوميّةِ. فقد انتصرت للمقاومة وانتصرت للحقِّ في استرجاعِ الأرضِ وانتصرت لعودة المُهجَّرين من أوطانهم وانتصرت للحريّة وللديمقراطيّة وللعدل والتسامح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فضاءات ثقافية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج


























