المواءمة النفسية في الشعر بين إبراهيم الأسطى عمر وإبراهيم طوقان
كتبهاعبدالناصر الباح ، في 23 مارس 2009 الساعة: 00:57 ص
المواءمة النفسية في الشعر بين إبراهيم الأسطى عمر وإبراهيم طوقان
( قراءة تأملية)

* بقلم/ عبدالناصر عبدالمجيد الباح

مدخل:
بعيداً عن تقييم الحركة الشعرية المعاصرة في ليبيا وبعيداً عن مناقشة جل أو بعض التحولات الحادثة للشعر العربي وبعيداً عن الغوص في كنه الكثير من التعاريف كالتشظي والحداثة وما بعد الحداثة وان كنت اعتقد جازماَ إن مكمن الحداثة في الشعر العربي لا تتمحور حول هدم أو عدم هدم بحور الشعر وتفعيلاته أو في تغيير أو عدم تغيير المعجم اللغوي لمفردات العربية بقدر ما تكمن في رؤى الشاعر الشمولية والعميقة واستقراء الحياة اليومية المعاشة ماضيها و حاضرها لاستشراف رؤية مستقبلية ،وفي أدواته التي يصوغ بها هذه الرؤية عبر نصه الشعري …… كيف يعيد صياغة نسيج اللغة الحريري الذي وصل إلى حد الإتقان والكمال منذ دهر إبداعاً يناسب بوح هذا العصر وروحه …… كيف يلملم مفردات المعجم اللغوي لتكون لغة أخرى لها بعدها وإبداعهاً دون أن تفقد أصالتها وهويتها ودون الوقوع في شرك الغربنة…. وليس يستطيع ذاك إلا شاعر مثقف رغم عدم وجود تعريف ثابت لمفهوم المثقف بل وصعوبة إيجاد اتفاق على صيغة موحدة له إلا انه غالباً المثقف هو من لا يركن للسكون ولا يسلم بما هو سائد كمسلمة راضخاً للموات بل هو من مرن نفسه على تحريك الراكد وسبر غور المسلمات ليفككها ويعيد تركيبها ويظل في طرح الأسئلة بصفة مستمرة بحثاً عن إجابات لها صداها في ذاته ومحيطه معاً ليصل إلى حوصلة من النتائج يطمئن إليها …. فلا يصنف في خانة بشر (الكم) بل (الكيف) مشاركاً في تقدم وتطوير ورقي ذاته ومجتمعه معاً بفاعلية وبشكل مؤثر.
وعلى كل الأحوال ليست الثقافة بحد ذاتها هي الغاية إنما هي وسيلة ..الغاية منها الارتقاء بإنسانيتنا مادياً ومعنوياً وبالتأكيد ليست المؤسسات الثقافية بمختلف مسمياتها هي من تمنح المثقف صفته أو هي من تنفيها وان كانت هذه المؤسسات هي الوسيلة المتاحة الآن على الأقل لنشر الثقافة.
وهذا ما تؤكده لنا وبشكل واضح وجلي سيرة حياة شاعرنا الراحل إبراهيم الأسطى عمر الذي استطاع وبجدارة ومقدرة أن يجعل من ذاته وصوته الشعري مرآة صادقة لعصره بكل الأبعاد والمتوازيات ويجعل من دراسة حياته الشخصية بكل تفاصيلها الذاتوية دراسة للوطن بكل رحابته واتساع آفاقه وامتداداته .
وهذا ما استطاع أن يؤكده أيضاً شاعر آخر ولد بنابلس في فلسطين إلا وهو الشاعر الراحل إبراهيم طوقان.
فالدارس لسيرة حياتيهما ونتاج إبداعيهما سرعان ما يتضح له كل ما سبق و قلناه في مقدمتتنا البسيطة بل سرعان ما ينتابه شعور بالمجاوزة والمواءمة النفسية بينهما وليس مبعث ذلك مجرد تشابه الاسم الأول بين الشاعرين بكل تأكيد ،و لا لأنَّ كل منهما حمل لقب " شاعر الوطنية".
وربما العنوان يخلق نوعاً من علامات الاستفهام إن لم يكن الاستغراب عن سبب إقحامي لهما في تناغم واحد .
الحقيقة في البداية لم يكن لدي إجابة شافية أو رؤية واضحة إنما هو مجرد إحساس كان يخالجني كلما قرأت احدهما فيقفز لمخيلتي الآخر بكل تجلياته مما شكل هذا نقطة البداية لكشف الكثير من المعطيات سنمر على بعضها في هذه الوريقات والتي هي ليست أكثر من قراءة تأملية على أن نعود إليها فيما بعد بشكل أكثر تمعناً وعمقاً ودراسة وما سأورده فيما يلي ليس أكثر من وضع بضع إشارات ليس إلا.

v الموازنة بين حياة الشاعرين:
· ولد إبراهيم عبدالكريم الأسطى عمر في مدينة درنة عام 1908 مسيحي، بينما ولد إبراهيم عبدالفتاح طوقان بنابلس في فلسطين عام 1905 مسيحي، إذن اقترب الشاعران في تاريخ الميلاد بفارق بضع سنين وهنا بداية التناغم ، فهما أبناء نفس الجيل وولدا بنفس العصر .
· إبراهيم الأسطى عمر من اسرة ذات أصول ثرية وان كان افتقرت أسرته هذه بدخول المحتل الايطالي للوطن الليبي، وكذلك إبراهيم طوقان، إلا أن إبراهيم طوقان عاش حياته في بحبوحة من العيش بشكل أو بآخر عكس إبراهيم الأسطى عمر، مما أهلهُ لنيل قدر كافٍ بل وافرٍ من التعليم على خلاف إبراهيم الأسطى عمر الذي نشأ يتيم الأب فقيراً معدماً فذاق من شظف العيش ما ذاق ما اضطره إلى العمل في سني صباه المبكر وتنقله بين مختلف الحرف الشاقة وخلال تلك السنين عمل على تعليم وتثقيف نفسه ذاتياً وبمساعدة بعض أهل العلم آنذاك وحين أعلن عام 1936 مسيحي عن مسابقة لاختيار المعلمين عقدت في طرابلس شارك فيها واجتاز الشاعر الامتحان بتفوق إلا انه لم يعمل معلماً بل عمل كاتباً في المحكمة الشرعية، على العكس من إبراهيم طوقان الذي عمل معلماً لفترة من الزمن ثم عمل في دائرة بلدية نابلس.
·كان لنبأ القبض على الشهيد العظيم عمر المختار من قبل العدو الايطالي الغاشم وشنقه في عام 1931 مسيحي الأثر الكبير والعميق في نفس إبراهيم الأسطى عمر، وكذلك كان لنبأ القبض على الشهداء الثلاثة فؤاد حجازي ، ومحمد جمجوم، وعطا الزير من قبل الاحتلال الانجليزي بفلسطين وشنقهم الثلاثة في عام 1930 مسيحي نفس ذلك الأثر المؤلم على روح الشاعر إبراهيم طوقان .
يقول الأسطى عمر:
إيــهٍ يـا بلبلَ مــا هــذا الجــمــود اين تغــريــدكَ مــا بين الشجــــر
إبعـثَ الالحانَ فــي هذا الوجــود وامــلأَ الدنيـــا نشـــيداً او سمـــر
ــــــــــــــــــ
حُومتَ في الجوِّ فألفيتَ الرفــــاق جــوقـةً من عـندلــيبٍ و هـــزار
و شحاريــرٍ ضــَناها الاشـتيــــاق و بخـاتـي ،و قـماري ،و كــنـار
طِـرنَ أسرابــاً غَـــداةَ الجــوِّ راق صــادحـاتٍ بـأنـاشـيـــدِ الفخــار
مُسرعــاتٍ فـي هـبوطٍ و صعـود في ضياءِِ الشمسِِ في نورِ القمر
قاصداتٍ وطــن (الشيخِ الشهـيدِ) فارسِ الهيجــا و حاميها (عُمر)
شعور ابراهيم الاسطى عمر الدفين بأنَّ عمر المختار هو رمز المقاومة الليبية و الكفاح الوطني و بالتالي هذا الرمز لايموت بإستشهادِ صاحبهِ كان المبعث الحقيقي وراء عدم قيام الاسطى عمر برثاء شيخ الشهداء بل تحول الى رمز للوطن كله و شارة فخارٍكما ورد بالابيات السابقة.
يقول طوقان:
قسماً بروحِ (فؤادِ) تصعــــــــــــــدُ من جوانحــــهِ زكيـــه
تأتــي السمــــاءَ حفيــــــةً فتحــلَّ جنتهـــا العَــلـيَّـه
قسمـــً بــروحِ (محمــدٍ) : تَـلقى الردى حلوَّ الورودِ
قسماً بأُمكَ عند موتــــــــــــــــــــــكَ و هي تهتفُ بالنشيـــدِ
قسماً بروحكَ يا (عطــاء) و جنةِ الملِـــكِ القــــديـرِ
و صِغارِكَ الاشبالِ تبكي الليثَ بالدمعِ الغزيـــــرِ
ايضاً تحول الشهداء الثلاثة عند ابراهيم طوقان إلى رموز مقدسة للقسم المعظم على استمرار الكفاح و المقاومة و عدم الخضوع و الاستسلام.
· هاجر الشاعر إبراهيم الأسطى عمر هرباً من التجنس بالجنسية الايطالية إلى مصر ومنها إلى الشام ثم سافر للعراق وفلسطين والأردن ليعود بعدها لوطنه بعد أن دحر العدو الايطالي أبان الحرب العالمية الثانية عام 1943 مسيحي ليعمل مديراً لمكتب استعلامات ثم قاضياً أهلياً .
كما هاجر الشاعر إبراهيم طوقان إلى مصر ولبنان وعاد بعدها إلى وطنه فلسطين ليعمل بإذاعة القدس بعد عمله كمعلم ثم هاجر للعراق نتيجة مضايقة العصابات الصهيونية له ليعود قبيل وفاته إلى فلسطين .
· لم يتقبل إبراهيم الأسطى عمر الوصاية الانجليزية على ليبيا، وكذلك لم يتقبل الشاعر إبراهيم طوقان الانتداب الانجليزي على فلسطين وكما عادى إبراهيم الأسطى عمر قبل ذلك الاحتلال الايطالي عادى إبراهيم طوقان بعد ذلك الاحتلال الصهيوني .
· شارك الشاعر إبراهيم الأسطى عمر بنص شعري بإذاعة لندن عام 1944 مسيحي تحت عنوان ( الجندي في ميدان القتال) كما شارك الشاعر إبراهيم طوقان بنص شعري لمجلة التمدن في (الأرجنتين) تحت عنوان ( ملائكة الرحمة) حيث حصل الأول على جائزة الشمال الأفريقي وحصل الثاني على اشتراك لمدة سنة كاملة مجاناً بالمجلة المذكورة.
· لم يتزوج الشاعر إبراهيم الأسطى عمر من فتاته التي أراد وعاش بعدها عازفاً عن الزواج حيث عاهد نفسه ألا يتزوج حتى تستقل البلاد تماماً، وكذلك لم يتزوج الشاعر إبراهيم طوقان من فتاته التي أراد إلا انه تزوج فيما بعد بأخرى ورزق منها بابن وابنة.
· شارك الشاعر إبراهيم الأسطى عمر في العمل السياسي حيث كان عضواً بارزاً في جمعية عمر المختار فرع درنة، ثم اختاره أبناء مدينته لتمثيلهم في ( برلمان برقة) عام 1950 مسيحي ، وكذلك شارك إبراهيم طوقان في العمل السياسي مما جر عليه الكثير من الويلات .
· توفي الشاعر إبراهيم طوقان بالقدس بعد عودته من العراق مباشرة يوم الجمعة 12- 5 -1941 مسيحي اثر نزيف حاد، أما الشاعر إبراهيم الأسطى عمر فتوفي في 26-9-1950 مسيحي غريقاً على شاطئ مدينته درنة التي أَحب.
· طبع ديوان الشاعر إبراهيم الأسطى عمر بعد وفاته، وكذلك ديوان الشاعر إبراهيم طوقان.

v الموازنة الجسمية والفكرية والاهتمامات الأخرى بين الشاعرين:-
كان إبراهيم الأسطى عمر هزيل الجسم رخيم الصوت عميق النبرات ثاقب النظرات، وكذلك كان الشاعر إبراهيم طوقان حسب شهادات مجايليهم .
يقول الأسطى عمر:
بالله يا قلبــــي أرحني مــــــــــــــن عـــذاب الــذكريـــات
و أرحم بقيــــة هـــــيكلٍ كالآل أضحى فــي الفـــلاة
لو مرَّ يوماً( بالأثـــــــــــــــــــــار) لصُفَ بين (الموميات)
يعترف ابراهيم الاسطى عمر بضعف البنية التي اصبحت هيكلا بل كسراب الفيافي بل اكثر من ذلك مومياء يمكن صفها بمتحف للاثار وصف لا يخلو من روح الدعابة الدفينة بأعماق ابراهيم الاسطى عمر لا يتركها تمر هباءاً منثورا وينظر الى ضعف البنية بكثير من الاريحية رغم ان الجو العام للقصيدة مليء بالشجن .
يقول طوقان:
و طبيبٌ رأى صحيفة وجهي شاحباً لونها ، و عودي نحيفاً
قال:لابــــــد من دم لكَ نعطيـ ـهِ نقيــاً ملء العروقِ عنيــفاً
لكَ ما شئت با طبيب ولـــكن أعطنـي من دمٍ يـكونُ خفيـفاً
ضعف في البنية شديد قد يبعث في غير ابراهيم طوقان التشاؤم لكنه مثله مثل شاعرنا الاسطى عمر ينظر الى ضعف بنيته بكثير من الاريحية بل و يجابهها ايضا بنفس روح الدعابة .
تميز كل من الشاعر إبراهيم الأسطى عمر والشاعر إبراهيم طوقان بارتداء نظارة بصرية ذات إطار كامل الاستدارة.
تميز كل من الشاعر إبراهيم الأسطى عمر والشاعر إبراهيم طوقان بالقدرة على الخطابة والتأثير في الجموع وقيادتهم.
اهتم الشاعر إبراهيم الأسطى عمر بالجانب الدرامي حيث انه كان عضو بفرقة (هواة التمثيل درنة) بل قام بأداء بعض الأدوار المسرحية، كما اهتم الشاعر إبراهيم طوقان بالجانب الدرامي الإذاعي في برامج الأطفال التي كان يقدمها.
v الموازنة بين أسلوب الشاعرين الشعري:
كانت أغراض الشعر عند الشاعر إبراهيم الأسطى عمر تراوح بين الوطنيات والمناسبات والوجدانيات في الغالب، وكذلك كان شعر إبراهيم طوقان .
نستطيع أن نقول أن الأسلوب الشعري عند الشاعر إبراهيم الأسطى عمر في مجمله ينتمي بخصائصه واتجاهاته إلى المدرسة التقليدية الحديثة من حيث الشكل فاغلب قصائده كانت تتوزع على عدة مقاطع لكل مقطع قافيته الخاصة وهذا ما نجده أيضاً عند الشاعر إبراهيم طوقان اما من حيث المضمون فالشاعر الاسطى عمر ينحو منحى الشعراء الرومانسيين بل يعد الشاعر الاسطى عمر رائد الرومانسية الشعرية في القطر الليبي إلا أن الذائقة الشعرية عند إبراهيم طوقان يعلو ميزانها عن الذائقة الشعرية عند إبراهيم الأسطى عمر، وربما سبب ذلك يرجع للقدر الكافي من التعليم المنتظم الذي ناله إبراهيم طوقان وحرم منه إبراهيم الأسطى عمر بالإضافة أن الهدف من الشعر عند الشاعر إبراهيم الأسطى عمر كان وسيلة للدفاع والذود عن الوطن والوطنية في الأساس إلا إنهما كانا يلتقيان في الكثير من المعاني والرؤى وان كان إبراهيم طوقان أكثر تجديداً في الشكل .
أولاً: الوطنيات/
يقول الأسطى عمر:
قيل صمتاً فقلت لست بميــــــت إنما الصمت ميزة للجمــــــاد
إن معنى الحياة قول وفعـــــــل وهي رمز مقدس للجهــــــــاد
لا أطيق السكوت مادام قلبــــي خافقاً واللسان يروي مـــرادي
إنما البلبل المغرد يشـــــــــــدو أينما كان في الربى في الوهاد
ما أظن الأقفاص مهما ادلهمت تمنع الطير لذة الإنشـــــــــــاد
هي صرخة أطلقها إبراهيم الأسطى عمر في وجه الإدارة الانجليزية التي حضرت العمل السياسي الوطني وهي قصيدة مفعمة بالصدق وبالكثير من الصيغ البلاغية والرمزية.
يقول طوقان:
أن قلبي لبـــــلادي لا لحزب أو زعيمِ
لم أبعه لشقـــــــيق أو صديق لي حميمِ
ليس مني لــو أراه مرة غير سليـــــــمِ
ولساني كفــــؤادي نيط منه بالصميــــمِ
وغدى يشبه يومي وحديثي كقديمــــــي
لم أهب غيظ كريـم لا ولا كيد لئيـــــــمِ
غايتي خدمة قومي بشقائي أو نعيمــــي
وهي صرخة أطلقها إبراهيم طوقان في وجه الزعامات والتحزبات التي أضاع تشتتهم آنذاك القضية الفلسطينية وهي قصيدة واضحة المعاني غنية بالمحسنات اللفظية من الجناس.
ويقول الأسطى عمر:
اقبل الشعب ثائراً فاستهانــــــــــا بالمنايا (ولا يلاقى الهوانا)
غضب الشعب حين قال (حليف) بعد عامين نرجع الطليانـا
هب كالسيل لا السدود استطاعت وقف تياره فجاز المكانــأ
يرفض القول بالفعال فكانـــــــت ثورة الحق عنده البرهانا
هذه قصيدة بقافية موحدة نونية غلب عليها الجمل الخبرية الفعلية متضمنة الصور البلاغية خاصة المجازي منها.
ويقول طوقان:
موطنــي الجلال والجمال والسناء والبهاء في ربـــاك
والحياة والنجاة والهناء والرجاء في هـــواك
هل أراك سالماً منعمــــاً وغانماً مكرمــاً
هـــــــــل أراك فــــــــي علاك تبلغ السماك
موطنــي
هذه قصيدة مليئة بالتجديد والتحديث والمحسنات البديعية واختلاف القوافي حتى في المقطع الواحد .
ومما سبق نجد أن الوطنية عند الشاعر إبراهيم الأسطى عمر والشاعر إبراهيم طوقان تنبع من عاطفة صادقة جياشة وإحساس حقيقي مشوب بالمرارة.
ثانيا: المرثيات/
يقول الأسطى عمر في رثاء الشيخ القاضي عبد الكريم عزوز:
أين السرور وقد قضى ركن القضا عبد الكريم
ركن الفضائل والنـــزا هة .. هده القدر الغشــوم
عزريل هلل .. قد ظفر ت بسيد منا كريـــــــــــم
اطفات مصباحا يــضـ ــيء دياجي الليل البهــيم
هذه قصيدة مليئة بالتفجع غنية بالتشبيهات ذات ألفاظ بسيطة موحية ومؤثرة لا تخرج كثيراً عن مرثيات الشعر العربي في عادته في وصف مناقب شخص راحل .
يقول طوقان في رثاء نافع العبوشي :
لهفي على (نافع) لو كان ينفعـه لهفي وهيهات ما في الموت نفــاع
قد شيعوه إلى قبر يحف بـــــــه من المهابة أتباع وأشيــــــــــــــاع
حَوته أوطانه في جوفها فغــــدا كأنما هو قلب وهي أضـــــــــــلاع
يا موطنا في ثراه غاب سادته لو كان يخجل من باعوك ما باعوا
قصيدة مليئة بالزفرات الحارة يخرج بها من التلهف على رحيل الراحل الذاتوي إلى ضياع وبيع وطن على وجه العموم وهي قصيدة غنية بالإشراقات اللغوية.
يقول الأسطى عمر في رثاء الصحفي عمر المحيشي :
أيقوم دمعي؟ أم يقوم لسانــــــي بوفاء حقك يافتى الفتيــــــان
أما اللسان.. ولا ملام .. فقاصر لا يستطيع اليوم أي بـــــــيان
لم يبقى إلا الدمع وهو مقصــــر إن لم يكن بحرا من الفيضان
فهناك قد تقضي دموعي واجباً لا استطيع قضاءه بلسانـــــي
هي قصيدة كسابقتها تصف عجز الكلام عن الإفصاح عن مكنونات الشاعر من حزن وألم وتفجع لفقد الراحل وينوب عن هذا الإفصاح الدمع والبكاء.
يقول طوقان في رثاء أستاذ الأداب العربية المرحوم جبر ضومط:
أغمدان ما يبكيك كعبة الهــدى وفيــم الأسى ياهيكل الفضل والندى
أتبكي على جبر وحولك جنــده عزاؤك فيمن راح حولك واغـتـــدى
لجبر يد عندي تألق كالضــحى وقل لها شكرا رثائيـك منشـــــــــدا
فيا لغتي تيهي بجبر على اللغى ويا وطني ردد بآثاره الصـــــــدى
يخاطب الشاعر غمدان قصر الراحل ويناجيه ويواسيه في الراحل ويقر بما عليه من فضل لا يفيه الشكر حقه ليجعل من ذكره شرف للغته ووطنه.
ومما سبق يتضح أن الموت عند إبراهيم الأسطى عمر هو المحرك لفن الرثاء ناقلاً خلال نصه صدق حزنه معدد لمناقب المرثى له .
أما إبراهيم طوقان فيخرج من الرثاء الشخصي للراحل لينطلق لعوالم أكثر رحابة: إلا إن كل من الشاعرين يكتب بعاطفة جياشة وإحساس واضح الشجن وكلاهما مطبوع الحزن.
ثالثاً: الغزل/
يقول الأسطى عمر:
أحفظي يا دار محبوبي جميل الذكريـــات
وأحفظي أيتها الحجرة صوت القبــــــلات
واحفظي يا أرضها تلك الدموع الجاريات
واذكريني عنده ما عشت أو بعد ممــــاتي
ربَ ذكرى من حبيب لحبيب لا يـــــــراه
صورته ماثلا بين يديه في دعـــــــــــــاه
ياحبيبـــــــــي آه لـــــو تعـــلم ما بــــــي
يوم بيني من تباريح العـــــــــــــــــــذاب
ما وصلنا من شعر الغزل لدى إبراهيم الأسطى عمر قليل قد لا يعطي صورة واضحة عنه إلا انه في مجمل ما وصل إلينا هو غزل تقليدي لم يخرج به إلى عوالم من التحليق في سماء القصيدة وضل محصوراً في زاوية وصف اللحظة بأبعادها المادية والمعنوية.
يقول طوقان:
أسعديني بزورة أو عدينـــــــــي طال عهدي بلوعتي وحنيني
ادعي الهجر كاذبا وغرامـــــــي في قرار من الفؤاد مكيـــــــن
غيض دمعي وكان ريا لروحــي من غليل الاسى فمن يرويني
يامعين الجمال أذبلت قلبـــــــــي أنعشيني بنهلة أنعشينــــــــــي
يامعين الجمال .. قطرة مــــــــاء أو أفيضي ابتسامة تحيينـــــي
رشاقة اللغة عند طوقان تنبئ عن تمرس في الغزل الشعري مشبوبة بتوهج داخلي وتراكيب جملية تعطي وقعاً متدفقاً على السمع.
يقول الأسطى عمر:
يا الهي .. خُلقت من فتنة وسعت… كيف اتقاء الفتـــــــن
فإذا غابت فقلبي غائــــب لست ادري كيف قلبي عقني
وإذا حاولت يوماً هجرها قلت للقلب فلا يسمعنــــــــــــي
أتراه السحر؟ كلا فالرقى لم تكن من سحره تنقذنـــــــــي
هي قصيدة من قصائد الشاعر إبراهيم الأسطى عمر يتضح بها بساطة التعبير ووضوح المعاني ويعود هذا إلى ما عرف عن الأسطى من عدم التجويد في نصه الشعري احيانا بل يتركه على ما هو عليه حسب النفحة الشعرية الأولى وأيضاً كما سلف أن قلنا إن الهدف الحقيقي من كتابة الشعر عند إبراهيم الأسطى عمر هو الكفاح الوطني وهو الأساس لديه أما الغزل فعارض.
يقول طوقان:
اشربي أنت…وحسبــي نشوة من مقلتيك
اشربي أنت… وحسبـي نظرة في وجنتيك
اشربي أنت… وحسبي نهلة من شفتــــيك
اشربي أنت.. ومالـــي وحياتي في يديــك
يضرب طوقان على قيثار الغزل فيطرب سامعه ويزيد هذا التكرار رغم بساطة تراكيبه تأكيداً شجياً مستملحاً مع وضوح في التعبير وعدم التكلف .
ومما سبق يتضح أن الشعر الغزلي لم يجافي قريحة الشاعرين رغم اهتماماتهما الجلية بالشعر الوطني ، ونهل كليهما من معين العشق المقدس إلا أنهما جنحا إلى البساطة في التعبير عن مكنوناتيهما.
رابعاً: الوصف/
يقول الأسطى عمر في وصف حالة الجندي في ميدان القتال:
بين أهــوال وأخطار صباحاً ومســــــــاءً
حالة الجندي في الميــدان يأس وعنــــــاء
أهله أولاده أمــواله ضاعت هبـــــــــــــاء
حتفه يرقبه مابين ارض وسمــــــــــــــاء
وهو للموت إذا ما غمض الجفن غـــــذاء
مالذي يرجوه في الدنيا وقد ضاع الرجاء
يصور الأسطى في هذه القصيدة عبر عدة مقاطع مختلفة القافية معاناة الجندي في ميدان المعركة والتي عايشها شخصياً إبان إنضمامه لجيش التحرير الليبي.
يقول طوقان في وصف الفدائي :
لا تسل عن سلامتــــه روحه فوق راحتـــه
بَدلتــــه همومــــــــــه كفــنا من وسادتـــــــه
يرقب الساعة التـــــي بعدها هــول ساعـــته
بين جنبيه خافــــــــق يتلــظى بغايتــــــــــــه
من رأى فحمة الدجى أضرمت من شرارته
حملتـــــه جهنــــــــــم طرفــا من رسالتــــــه
يصف طوقان حال الفدائي عبر عدة مقاطع مختلفة القافية راسماً معاناته وعذاباته ويكاد تتمحور فكرة الشاعرين حول نفس المحاور ونفس المعاني تقريباً.
يقول الأسطى عمر في وصف عصفور سجين :
أيها المسجون في ضيق القفص صادحاً من لوعة طول النهار
ردد الألحان من مــر الغصص وبكى في لحنه بعد الديــــــــار
ذكر الغصن تــثـــنـــــــــــــى وأليفاً يتغنـــــــــــــــــــــــــى
وهو في السجــــن معنـــــــى فشكــــــــــــى الشــــــوق وأنَّ
وتمنـــــــــــّـــــــــــــى
يقول طوقان في وصف مصرع بلبل:
قدر ساقه فــأواه روضـاً لم يكن طار فيه قبلا وغنـى
فاستوي فوق أيكة ورمى عينيـــــه فيما هناك يسرى و يمنــــــــــى
مطمــئن يسير تيهــــــــــــا فان رام عنـــاق الصخـور صدت فجُنّ
هكذا يصبح الحبيب المعنيُّ بعـد حين وهو المحب المعنـــى
" هي قصيدة رمزية من عدة مقاطع لكل مقطع قافيته تصور بلبلاً جاء إلى دوح غريب كناية عن ذات الشاعر وإحساسه بالغربة.
وفيما سبق يتضح إن كلا الشاعرين قد استخدماً الوصف سواء الصريح الواضح أو الرمزي لعلاج قضية ما وان كان يلاحظ أن الشاعر إبراهيم الأسطى عمر أكثر ذكراً في قصائده للعصفور كناية عن ذات الشاعر،و الانسان ،والحرية اما تغريدهُ فيكني بهِ عن الشعر،و صوت الحق ،وحق الصوت … الخ.
وهذا لا يمنع من تناول الشاعر إبراهيم طوقان للعصفور في الكثير من نصوصه قاصداً نفس المعاني تقريبا.
خامسا: الهجاء/
يقول الأسطى عمر:
معارف أم مجاهل أم رواية تمثلُ في البلاد وبلا درايـــــــــــــة
وأبطال الرواية من بنيهــــا ومخرجها " المدير" .. إلى النهاية
وأشخاص الرواية طالبــات وطلاب ولـــكن دون غايـــــــــــــــة
إذا أمر المدير فلا اعتراض لأمر المستبـــد ولا شكايـــــــــــــــة
" اشتملت هذه القصيدة على أسلوب الاستفهام للسخرية من هذا الواقع المحيط بإدارة التعليم آنذاك من استغلال التلاميذ في أغراض ومكاسب شخصية بعيدة كل البعد عن العملية التعليمية".
يقول طوقان:
لو جرب التعليم (شوقـي) ساعــة لقضى الحياة شقاوة وخمــولا
حسب المعلم غمة "وكآبــــــــــــة" مرأى (الدفاتر) بكرة وأصيلا
لا تعجبوا أن صحت يوماً صيحة ووقعت ما بين (البنوك) قتيـلا
يامن يريد الانتحار وجدتــــــــــه أن المعلم لا يعيش طويــــــلا
"أيضاً اشتملت هذه القصيدة على أسلوب التهكم والسخرية من حال المعلم في بلادنا العربية وهو نوع من الهجاء اللاذع".
يقول الأسطى عمر:
وداعا سيدي " البـاشـا" وداعـا فبعدك ألهب النفس التياعــــــا
وتركك للوزارة تحت (ضغط) يعز على (الجماعة) أن يشاعا
وتلك خسارة لا شك فيهــــــا وركن ( للمصائب) قد تداعــى
تنفس بعدك الصعداء شعـــــب صريح لا يبادلك الخداعـــــــــا
وقال غداة بينك .. حيث ألقت قشاعم رحلها الغالي فضاعــــا
" أسلوب تهكمي واضح وسخرية مرة احتوتها هذه القصيدة للشاعر إبراهيم الأسطى عمر ولقد وضع زيادة في النكاية إشارات محددة بين قوسين دون أن يذكر صراحة كنه تلك الإشارات مما زاد السخرية إيلاماً في المهجو".
يقول طوقان:
انتـم (المخلصون) للوطنيـــة انتم الحاملون عبء القضية!!
و (بيان) منكم يعادل جيشـــــا بمعدات زحفه الحربيـــــــة..
و ( اجتماع) منكم يرد علينـــا غابر المجد من فتوح أميـــــة
ما جحدنا ( أفضالكم) غير إنا لم تزل في نفوسنا أمنيـــــــة:
في يدينا بقية من بــــــــلاد … فاستريحوا كي لا تطير البقية
" أسلوب تهكمي واضح السخرية لاذع المعاني للاجتماعات والبيانات التي كان يصدرها العرب في فلسطين وخارجها في حربهم ضد الإسرائيليين الصهاينة، ولقد وضع إشارات محددة بين قوسين دون أن يذكرصراحة كنه تلك الإشارات و ان كانت واضحة في دلالاتها و في مغزاها".
الخاتمة:
ومما سبق من موازنات ومتوازيات يتضح تلك الموائمة النفسية الشعرية بين الشاعرين في صياغة قصائدهم ولو استمررنا في رصد هذه الموازنات والمتوازيات بين أغراض الشعر لديهما والقصائد المتشابهة بينهما إلى حد ما في مضمون بعدها النفسي لوجدنا الكثير من الشواهد والعديد من الإشارات إلا إننا نكتفي بهذا القدر علنا نكون أعطينا ولو لمحة سريعة عن هذه الموائمة النفسية في الشعر بين الشاعرين إبراهيم الأسطى عمر وإبراهيم طوقان،و قد يتبادر للبعض سؤال هل اطلع احدهما على نتاج الاخر الشعري وتأثر به؟ والاجابة الواضحة والصريحة هي النفي و النفي القاطع حيث كل منهما قد طبع ديوانه بعد وفاته ، هل التقى الرجلان في مصر في العراق في فلسطين…. لم يرد في مذكرات الاسطى عمر شيئا من هذا ، ولم نطلع على شيء من هذا القبيل ،وعليه لم يتعارف الرجلان ولم يلتقيا البتة انما عايش كل من الرجلين نفس التاثيرات النفسية ونفس الظروف المحيطة من بيئة عربية متشابهة نوعا ما و ظروف اجتماعية متقاربة و الكفاح ضد الاستعمار والتقلبات و التغيرات الدولية آنذاك ، وتجاوبا مع كل ذلك بنفس الاحاسيس تقريبا ، قد أكون أصبت فيما حيك بظني و اصبت مأربي وقد أكون أخطأت إلا انه يبقى لي شرف المحاولة.
عبد الناصر عبد المجيد الباح
المراجع:
1- إبراهيم الأسطى عمر شعره ونثره، أ. عبد الكريم محمد منصور، منشورات جامعة القديس يوسف بيروت، عام 1986 مسيحي
2- ديوان إبراهيم الأسطى عمر، جمع وتحقيق عبد الباسط الدلال ، منشورات دار الفاتح للطباعة.
3- ديوان البلبل والوكر للشاعر إبراهيم الأسطى عمر، جمع وتحقيق عبد الباسط الدلال ، وعبد اللطيف شاهين، 1967 مسيحي.
4- الموازنة بين الأسطى عمر ورفيق المهدوي، بحث تخرج إعداد / سعيدة حسن الباح، 2003 مسيحي.
5- التناغم النفسي في الشعر بين الشاعر الليبي إبراهيم الأسطى عمر والشاعر الايطالي ليو باردي، مقال للأديب فؤاد الكعبازي.
6- ديوان إبراهيم طوقان، تحقيق وتجميع فدوى طوقان ، منشورات دار المسيرة، 1984 مسيحي.
7- إبراهيم الأسطى عمر الشاعر الوطن، مقالة عبد الناصر عبد المجيد الباح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فضاءات ثقافية | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج



























أبريل 20th, 2009 at 20 أبريل 2009 9:13 م
جميلة جدا جدا هذه المدونة المثمرة (الباح) وأكون سعيد جدا إن أعطيتنى رأيك فى مدونتى الجديدة بصراحة http://2lam.maktoobblog.com/
أبريل 22nd, 2009 at 22 أبريل 2009 11:25 م
أنا فعلا سعييييييييييييييييد جدا إنى أتعرفت على حضرتك وعلى مدونتك فأنت غاية فى الذوق والإحساس ومدونتك غاية فى الثراء والتنمية فجزاك الله خيرا
أبريل 24th, 2009 at 24 أبريل 2009 8:53 م
أين العميل ولماذا؟ بالنظر الى قضايا ومواضيع تخص ابطالا، قادة من اعظم ما انتجت الامة العربية والاسلامية ليس بالضرورة ان ابحث عن كلمات جميلة اصيغ بها جملا رائعة تركب في مصطلحات معقدة لوصفهم بالعظمة التي هم عليها؛ فبمجرد الرجوع الى تاريخهم النضالي، الكفاحي المقاوم والنظر اليه استطيع ان المس مدى عظمتهم. من الصادق ومن الكاذب، من الشريف ومن الخسيس، من المقاوم ومن العميل، من يستحق ان يذكره التاريخ ومن سيرمى على مزابله. الا اني لدي سؤال يلح عليّ دائما ولا اعرف جوابه: هل اسرائيل عدو لنا؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ الا اني لا احمل جوابا لهذا السؤال. اذاً من صافح شارون واولمرت ونتنياهو لاحقا (وبالاحضان) ام من صافح الموت كل يوم من حياته دفاعا عن كرامة امتنا وشرفها المقدس….. من حاصر وجوّع وتآمر على ما تبقى من قضيتنا الاساس ام من حاول كسر الحصار ومدها بالدواء والغذاء والسلاح. و من يفعل المستحيل لتحرير اسراه ويحررهم دون منّة من احد. لا شيء بحاجة للتوضيح، من يريد ان يرى حقيقة الامر فليفتح عينيه دون ان يرى الامور بأعين نظام بعينه ، و في النهاية من يرِد ان يهاجم؛ فليهاجم ومن يرِد ان يشتم؛ فليشتم فـ”الكلاب تنبح والقافلة تسير” و ” اذا اتتك مذمتي من ناقص فهي الشهادة لي بأني كامل”
مايو 21st, 2009 at 21 مايو 2009 12:29 م
مدونة الباح
نافذة رائعة وجميلة
تطل بنا إلى ليبيا الحبيبة