خواطر حول التاريخ و الاسطورة
في تجريدة حبيب
بقلم/ عبدالناصر الباح
التجريدة و الجردة في اللغة الدارجة تعني النجدة والحملة او المدد، أما التجريدة في الفصحى فهي من التجريد وهو القشر والنزع والتعرية ، و الجردة بمعنى البرذعة الخلقة والخرقة البالية والصواب أن يقال " جريدة " لأن الجريدة تأتي بمعنى الجماعة من الخيل التي ليس بين فرسانها ماش على رجليه .
ويرجح بعض المؤرخون وقوع التجريدة حسب المقارنة و الاستدلال والاستنتاج بأنها حدثت في الربع الأول من القرن الثاني عشر للهجرة .. أوائل القرن الثامن عشر للميلاد أي في أواخر العهد العثماني الأول وقبل بداية العهد القرمانللي الذي لم يتوطد في برقة إلا في سنة 1133هـ ، 1720 م ،و بالتحديد فجر يوم 29 أغسطس 1656م حسب رواية " شارل فيرو" في "الحوليات الليبية".. أما في رواية الرحالة " أبو سالم العياشي " و ما أثبته في كتابه المعروف بـ" رحلة العياشي " فإنه يذكر أنها كانت سنة 1066هـ التي توافق 1655 م بفارق عام
أما رواة تجريدة حبيب و الكتب التي استنسخت هذه الرواية كالكاتب "صلاح الدين جبريل " في كتابه " التجريدة " فتقول أن التجريدة حدثت سنة 1133هـ في زمن الباي مصطفى باشا القرمانللي الذي قاد الحملة بنفسه !!..أي بعد التاريخ الذي ذكرناه سابقا بكثير.
أما طرفاها في اغلب الروايات الشعبية شيوعا "الشفهية اساسا" فهما "العبيدات" ،و العلايا " أولاد علي " .. حيث ينتسب كل من العبيدات وأولاد علي إلى السعادى ، نسبة إلى سعدة التي تزوجها " الذئب أبو الليل " ، فولدت له أبناؤه " برغوث وعقَّار وسلام "– وتم الاختلاف في سعده هذه فالغالبية يقول أنها سعدة الزناتية بنت الزناتي خليفة وقيل أخته ،وقال آخرون انها سعدة الهلالية ( لاحظ الاختلاف الزمني الشاسع بين زمن التجريدة الهلالية و تجريدة حبيب يصل لمئات السنين!!! مما يُستغرب معه كيف يكون برغوث وعقَّار وسلام أبناء سعدة هذه ).. و قبائل السعادى تتفرع إلى كثير من البطون والعشائر " فالعبيدات" ينتسبون إلى "حرب أو محارب " ،و" أولاد علي" ينتسبون إلى "علي " وهما أولاد "عقَّار" بن الذئب أبي الليل زعيم من رؤوس بني سليم الذين استوطنوا ما بين سرت غرباً وحدود الإسكندرية شرقاً واستوطن إخوانهم بني هلال ناحية الغرب من النواحي طرابلس وتونس وهذا ما أثبتته السير وانساب القبائل ، وهو يدل على ان قبائل " السعادى " في برقة تنتمي ، إلى بني سليم دون سواهم والواقع أن كثيراً منها ينتمي إلى " الهلاليين " أي من قبائل " هلال بن عامر بن صعصعة ( وهذا له ما يبرره من عدة وجوه .. الأول : أن القصص والأشعار التي بتناقلها أفراد هذه القبائل تدور كلها حول " أبي زيد الهلالي " وأبناء أخته " شيحة " مثل " مرعي و ذياب ويحيى ويونس وغانم " وغيرهم من أبطال القصص الهلالية المعروفة .. والثاني هو أن جماعات من بني هلال قد استوطنت إقليم برقة أيام العبيديين ولها وقائع وحروب مع بعض القبائل المقيمة ببرقة من " لواته و زناته و مزاته " . حيث بقي ذكر أن فروع هاتين القبيلتين بصفة عامة ليست كلها من سلالة بني هلال وبني سليم بل تضم سلالات بربرية مثل لواته و مزاته و زناته ، التي سماها ابن خلدون والتي كانت تعمر هذه البقاع) .
،و الحروب بين العبيدات وأولاد علي في تلك الفترة ترجع كما يذكر بعض الباحثين إلى ثارات او خلافات نشأت بين الفريقين حول المراعي و استيطان الأرض الخصبة وإذا ما دققنا نجد أن اشخاص هذه الواقعة من قبيلة العبيدات هم حبيب وغيث وابويمامة ورفاد وهم ابناء عبدالمولى بن الواعر بن أعبيد وكذالك امزين بن الواعر بن أعبيد وكذلك عوكل وشاهين وكلاهما أبناء واقفين لعبيد ولكل منهما بضع ابناء، فإذا كانوا هؤلاء هم العبيدات في ذلك الوقت، غيث هو غيث الفرد واب عيت غيث وكذالك حبيب أب أولاد مريم وكذلك امزين و رفاد و ابويمامة ، فهؤلاء جميعهم هم رؤوس ولم يصبحوا قبائل بل ولم يصبحوا أسرا بعد فهم لم يتزوجوا بعد إلا كبيرهم غيث الذي تزوج بالخادم ولم ينجب منها بعد؟
وهكذا نجد أن قبيلة العبيدات في ذلك الوقت قد لا تتجاوز أصابع الكفين، فهل يطلق على هؤلاء الثلة آنذاك اسم قبيلة أم عائلة أم أسرة؟ وإذا دخل هذا العدد في نزاع مسلح مع نظرائهم فهل يسمى هذا النزاع معركة أم شجار بين عائلتين؟ تقول تلك الروايات انه بعد أن توحدت جُل قبائل الحرابي تحت قيادة "الكليب " شيخ عائلة " مسعود " ( و الرواية لا توضح العلاقة الأسرية لهذا الرجل بالحرابي بشكل عام و بالعبيدات على وجه التحديد و لقد حاولت من خلال العديد من كتب الأنساب عامةَ و بعض مشجرات الحرابي بشكل خاص و أولاد عقار بشكل اشمل أن أستجلي هذا الأمر دون نتيجة خصوصا و إن الرواية تتحدث عن أسماء أفراد لم تصبح قبائل أو عائلات بعد بمعنى آخر أسماء يمكن حصرها بشكل أو بآخر ) و تقول الرواية إن هذا الرجل استطاع أن يتقابل مع قبيلة "أولاد علي" في "تمسكت" و هو عبارة عن مرتفع يقع في الجنوب الغربي لمدينة درنة حيث جرت معركة دامية بين الطرفين أدت إلى طرد أولاد علي من الجبل الأخضر حيث أجلوهم الحرابي إلى بقاع مقفرة ومناطق مجدبة في أكثر السنين للحرب ، حيث أخذ "أولاد علي" يعدون العدة ويرتقبون الفرصة التي تمكنهم من استرجاع البقاع التي طردوا منها ، والتي تجود بالخصب والنماء فلما تمت لهم الغلبة توغلوا حتى " رأس التراب " الواقع غربي " شحات " بنحو عشرة كيلومترات أي أنهم بسطوا نفوذهم على ما يقرب من نصف مساحة الجبل الأخضر زيادة على المناطق الشرقية الشاسعة .
وما فتئ "العبيدات الحرابى " يقاومون سيطرة " أولاد علي " ويتربصون بهم الدوائر ، وتقوم بين الفريقين مناوشات ومعارك ،و بعد أن تدخل "بن خزيمة الفرجاني" شيخ الفرجان بين الطرفين المتنازعين لإحلال السلام و يضطر "العبيدات الحرابى " إلى الرضوخ والاستسلام بسبب تفرقهم ووقوف بعض أبناء عمومتهم موقف الحياد حسب ما تخبرنا الرواية إلى أن ظهر رجل اجتمعت له صفات الزعامة بين قومه وعشيرته ، ذلك هو الشيخ " عبد المولى الأبح " الذي تبوأ مكان الصدارة وأصبح صاحب الكلمة المسموعة والرأي المتبع عند أكثر عائلات "العبيدات الحرابى " ومن أبناء " الشيخ عبد المولى " كان حبيب بطل التجريدة .
هذا وتجئ البوادر الأولى " لتجريدة حبيب " حسب ما تقول الرواية انه نتيجة كثرة تردد على "بن خزيمة الفرجاني" شيخ الفرجان من قبل الطرفين المتنازعين عمد العبيدات إلى تدبير خطة يعرفوا من خلالها نوايا "أولاد علي" و يطلعون على اخبارهم من خلال الشيخ " بن خزيمة الفرجاني" حيث قرروا إهداء جارية كانت للشيخ " كليب " للشيخ "بن خزيمة الفرجاني" على أن تصطنع هذه الجارية الصمم و البكم ليتسنى لها استراق السمع دون ان يحذر منها احد و تبلغ قومها بكل ما يدور من أخبار في خيمة "بن خزيمة الفرجاني" شيخ الفرجان عند ترددهم عليه ،و هذا ما كان حيث استطاعوا و كما تقول الرواية من خلال هذه الجارية معرفة مدى استعدادات "أولاد علي" و استغلوا الفرصة و قاموا بمهاجمة "أولاد علي" فجأة عند الفجر في منتجعهم بالجبل الأخضر " و قتلوا كل من سدت في وجهة المنافذ للهرب من الرجال ولم يبقى بالمنتجع غير عدد من الأطفال حيث و نتيجة لإعمال القتل فيهم فر من فر من رجال "أولاد علي" تاركا أطفاله خلفه لذا اطلق على هذا المكان و ليومنا هذا اسم "مربط العويلة"،و انتصر "العبيدات الحرابى " على "أولاد علي" وتم الاستيلاء على جميع ممتلكاتهم و حيواناتهم و خيامهم .. و تقول الرواية انه قد تبنى الشيخ " عبد المولى الأبح " طفلا من بين هؤلاء الاطفال الذين تُركوا بعد المعركة واسمه " النعيعيس " في روايات الحرابي و "النعيسي " في روايات أولاد علي وجعله كواحد من أبنائه .
نشأ النعيعيس أو النعيسي هذا ، وشب في بيت " الشيخ عبد المولى " لكنه لم ينسى و بمرور الايام ما حل بقومه وأهله من تشريد ، إذ انه كان في سن المراهقة عند غارة "العبيدات الحرابى " على منتجع قبيلته وذكرى تلك الأحداث لم تُمحى من مخيلته و ضلت ماثلة أمامه، فأضمر فـي نفسه الانتقام وانتهز فرصة في يوم خلا فيه بأحد أبناء " الشيخ عبد المولى عند ذهابهما للرعي " فقتلـه ، ووارى جثته في التراب وأخفى لباسه الملطخ بالدماء داخل برذعة حمار ( لاحظ التشابه بين هذه الرواية بشكل أو آخر مع قصة يعقوب و ابنه يوسف و اخوته غير الأشقاء) ، و تستمر الرواية في سرد احداثها قائلة انه لم يدُر ببال الشيخ عبد المولى ولا احد من عشيرته أن النعيعيس أو النعيسي يقتل أخاه ، وفُقد الأمل في العثور على ابن الشيـخ عبد المولى فقد يكون ضل طريق عودته إلى المنتجع وتاه وسط الشعاب والوديان فافترســه ذئب غير أن الجريمة المدبرة ما لبثت أن ظهرت معالمها واضحة للعيان فقد بـرز قميص القتيل من خرق في البرذعة صدفة من غير قصد ( و لا تقدم الرواية تفسيرا واحدا لماذا احتفظ القاتل بملابس القتيل؟ في الوقت الذي كان لزاما عليه ان يتخلص منها ،و يواريها كما تخلص من الجثة و واراها .. ثم لماذا نزعها من على جثمان المغدور؟ ) ، وعرف الشيخ عبد المولــى أن النعيعيس هو قاتل ابنه ولكنه لم يقتص منه وأبت له شهامته أن يسفك له دماً فقد تبناه وعـاش في حمايته ، وإنما طلب منه أن يرحل بعيداً عن بيته ودياره ، حتى لا يتعرض للقتل من قبـل أحد أخوة القتيل أو من أبناء عمومته في القبيلة .
غادر " النعيعيس او النعيسي " بيت " الشيخ عبد المولى الأبح " ونفسه لا تزال تحتدم غيظاً وحنقاً على الشيخ عبد المولى وعشيرته ، لم يُهدئ من ثائرتها قتله لابن الشيخ عبد المولى ولا شهامة أب القتيل في الصفح عنه وصمم في هذه المرة على الانتقام من الشيخ عبد المولى نفسه ، إذ هو أكبر رؤوس " الحرابى " وصاحب الرأي والتدبير ,و بدأ في تنفيذ خطته بالاتفاق مع جماعة من شيوخ " أولاد علي " فأنضم لعسكر الحاكم حتى صار من ابرز الضباط .. الامر الذي مكنه من استقدام ابناء عمومته ليدخلهم ضمن عسكر الحاكم و تقلدوا مناصب مرموقة و بسطوا هيمنتهم على المنطقة .. و تستمر الرواية في سردها بأن النعيعيس و ابناء عمومته من العلايا صب الوان العذاب و الاذلال على العبيدات و انتهز الفرصة و دبر مكيدة للشيخ عبد المولى و وشى به عند حاكم درنة في ذلك الوقت ( الذي لم يذكر رواة التجريدة اسمه غير انه تركياً ) وهو بدوره استدعى الشيخ عبد المولى وقبض عليه و أمر بسجنه مكبلاً بالحديد بجوار سور المدينة (ولا ندري أي سور هو المعني فلا يمكن أن يكون السور المعني هو السور الغربي حيث انه قد بني في العهد الايطالي غير أن التخمين يجعلنا نذهب ال سور بني في العهد البيزنطي و قيل ان العائلات الأندلسية الأولى أعادت ترميمه بشارع إبراهيم الأسطى عمر حاليا "شارع السور " سابقا بالقرب من سوق الظلام ولا يعرف هنالك سجنا يذكر غير سجن بني في العهد الايطالي أيضا ) ،و تقول الرواية أن ولدين من أبناء الشيخ عبد المولى تمكنا من إنقاذ والدهما إذ حفرا نفقاً سرياً نفذا منه إلى السجن و وجدا أباهما في ثقل من الحديد لم يستطيعا نزعه ، فاحضرا ثلاثة من الخيل وحملا أباهما على احدهم ،ووضعا أحد ثقلي الحديد على حصان عن يمينه والثقل الأخر على حصان عن يساره وتسلل الجميع لائذين بالفرار ( و لم تذكر الرواية من هما ولديه الذين سعيا في انقاذ والدهما ،و هل حدث هذا كله في عدم وجود حراس للسجن أو في غفلة منهم أو بتواطؤ غير آبهين بما سيجر عليهم ذلك من عقوبة قد تكون الشنق أو الإعدام بالخازوق). و تستمر الرواية في سرد أحداثها قائلة أن نبأ فرارهم قد انكشف لاحقا، فخرج القوم وفي مقدمتهم " النعيعيس " يقتفون أثرهم ، وما لبثوا أن لاحت لهم ثلاثة من الخيل ، تجد في سيرها غربي بلدة درنة فلحقوا بهم مسرعين .
ولما علم الشيخ عبد المولى أن القوم سيدركونه لا محالة و ان ثقل القيود ستعيق فراره، طلب من ولديه أن ينزلاه ويخفياه بين أحراش و أشجار الغابة ، ويفرا من وجوه اللاحقين ، ولاحظ النعيعيس او النعيسي سرعة انطلاق الخيل المفاجئة ، فأخبر الجماعة بأن الخيل قد ألقت الحمل الذي كانت تحمله ، وأن الحمل الملقى هو الشيخ عبد المولى نفسه بثقل قيوده ، وانطلقت الجماعة تبحث عن الشيخ عبد المولى ، وعندما رأي الشيخ عبد المولى النعيعيس أطمأن إليه وناداه معتقداً أنه سيرعى الجميل ، ويجزي الإحسان بالإحسان ، ولكن النعيعيس حين سمع نداء الشيخ عبد المولى ورآه مكبلاً بالحديد صاح في الجماعة أن يأخذوه أسيراً إلى قصر الحاكم بدرنه ، وما أن أُحضر الشيخ عبد المولى أمام الحاكم حتى أمر بقتله في الحال ، فقطعت رأسه ونصبت جثته أمام القصر عدة أيام حيث صلبوه علي شجرة صفصاف (ولا ندري اين موقع هذا القصر في درنة على وجه التحديد فإذا كان المقصود به قلعة الحصار المقامة في الجنوب الغربي من مرتفعات محلة المغار فمن المعروف انها بُنيت في وقت متأخر من العهد القرمنللي تحديدا إبان الحملة الأمريكية على درنة عام 1805 م و كذلك القلعة التي كانت بمحلة البلاد داخل السور سالف الذكر و المبنية أيضا في ذات العهد القرمنللي لتكون قصرا للحاكم و المفترض أن تكون هذه التجريدة سابقة لهذا العهد) ،و تستمر الرواية بأنه قد أعيدت إلى أبنائه الجثة التي دفنت بجانب سور المدينة كما تذكر الرواية .
وقد كان لمقتل " الشيخ عبد المولى " أثره البالغ في نفوس " الحرابى " إذ فقدوا بموته أعظم شيوخهم نفوذاً ورأياً وشهامة .
وتمضي الرواية قائلة : وكان من بين أبناء " الشيخ عبد المولى " ابن اسمه " حبيب " نشأ لصاً فاتكاً قاطعاً للطريق ، يسطو على المواشي و الاغنام ويعترض طريق المارة ليسلبهم ممتلاكاتهم ،و تقول الرواية انه في اليوم الذي قتل فيه والده " الشيخ عبد المولى " كان مختفيا في احراش بمنطقة يقال لها " الزردة " بين درنة و القبة متربصا بقطيع من الاغنام يحرسه راعيه ليسرق منها ما يستطيع إليه سبيل الا ان هذا الراعي تفطن لوجوده فما كان من حبيب الا ان بادر الراعي متسائلا عن احوال درنة لأنه له مدة غائب عنها فأجابه ذلك الراعي بنبأ مقتل " الشيخ عبد المولى " و قطع رأسه و تعليقها أمام قصر الحاكم وتمضي الرواية قائلة أن حبيبا حين سمع نعي أبيه بكى مقتل ابيه و ترك الراعي و شأنه ليفكر في مصيره و ليعرف ما هو فاعل ، وأيقن أن الأعداء سيقتلونه لا محالة ، ومن هنا أقلع عن مسلكه الخاطئ ، ليسلك طريق الجد ، ويتأهب للثأر لأبيه ولكرامة قومه وعشيرته ( و لا يفوتني هنا ان انوه إلى التشابه الوارد هنا و ما ورد من حكاية الزير سالم "المهلهل" المعروفة و كذلك حكاية الملك الضليل " امرؤ القيس" ) .
وسمع عنه شيوخ " أولاد علي " فبعثوا جماعة من الفرسان يتعقبونه ، ليقتلوه ويأتمنوا جانبه ( و لا تعلل الرواية سبب ترصد "أولاد علي" له و محاولة قتله هو بالذات دون باقي أخوته )، و تقول الرواية انه لما علم " حبيب " بقدومهم ، وإنهم جادون في البحث عنه ، اتخذ لنفسه مكاناً قذراً و تبرز فيه و اخذ يعبث في برازه ثم وقف مواجها الرياح و تبول و أسال لعابه على لحيته متظاهراً بالجنون والبله ، وحين عثروا عليه عرفوه ولكنهم استقذروا منه ، ولما سلموا عليه لم يرد السلام ولم يأبه بهم ، بل بقي في مكانه ، يأكل العشب بين الأقذار ، فقال بعضهم لبعض ، إن هذا أبله و عيب أن يقال عنا إنّا قتلنا شخصاً معتوهاً وتركوه جالساً في مكانه ، وقفلوا راجعين ( و هنا أيضا لا تقدم الرواية لنا أي تبرير لجهل القوم لحالة قواه العقلية طالما أن القوم يعرفونه بالشكل و بالتأكيد كانوا يعرفون انه كان قاطع طريق فاتكا و له بأسه و لا يفوتني هنا أن انوه إلى التشابه الوارد هنا و ما ورد من اخبار "الملك داوود" بسفر "الملوك" بالعهد القديم " التوراة " آية 21 – 12 – 14 عندما قام بنفس هذه الأفعال تقريبا عندما تعرف عليه الملك الفلسطيني " أخيش " حاكم " جت " و جنوده فضنوا انه مجنونا و تركوه في حال سبيله .. ولا ننسى انه كان هنالك يهود بالمنطقة و لا يستغرب ان تتسرب قصتهم هذه للموروث الشعبي بحكم التجاور و التعامل التجاري و خلافه و لا ننسى انه كان من بينهم شعراء كبار في الشعر الشعبي المحلي دلالة على وجود هذا التلاقح الثقافي ) .
وبدأ حبيب يفكر في تدبير وسيلة للأخذ بثأر أبيه ، ورفع الظلم عن قومه فالتجأ إلى أحد أصدقاء والده ، الذي يدعى الشيخ " يونس القرّي " شيخ قبيلة"العوامّة " في ذلك الوقت ، يستشيره ويسترشد برأيه لأتصافه بالحكمة و سداد الرأي ، فما كان من "الشيخ يونس القري" الا أن قابله بعبوس ظانا منه ان حبيب قد جبن عن أخذ ثأر ابيه و انه قد جن كما يشاع بين الناس فقال له اذهب عني ايها الابله فرد عليه مجيبا :
" اول الهبــال من صـادر الريح وبـال
،و ثـاني الهبال من خش السوق بلا مـال
،و ثالث الهبـال من خش العركة بلا رجال "
فأيقن "الشيخ يونس القري" بأن حبيبا ليس بالجبان او الابله ، فأستمر الشيخ القري يسأل حبيب :
سلامات واستخـبرنّه سلامات ويش أللغـاوي
علي فارس غاب عنا زعم طير بوم ولا نداوي
ويرد حبيب علي الشيخ القري :
عطي بوخليل وخلك منّه وخليك راجل بجــاوي
الفارس اللي تنشـد عنّه وَهُو جا وعليه المهاوي
يوم غبـــكم يوم دنه كحز و صاح م الـبلاوي
فأشار عليه الشيخ " يونس القري " أن يسافر إلى حاكم طرابلس ، ويشكو إليه ما حل بقومه من ضيم واضطهاد ، وأن يلتمس منه مساندته في دفع الظلم عن أهله وعشيرته ، وأعطاه رقبة نعامة بها قدراً كبيراً من الذهب ، يستعين به على تحقيق هذا الغرض (السؤال من أين لحبيب أو القري العثور علي تلك النعامة أو جلدها ؟ و خصوصا أن هذا الطائر لا يعيش في منطقتهما و لم يسبق عبر التاريخ أن ذكر ذاك. ثم متى كان جلد طائر النعام يدبغ ليُجـعل منه جرابا قادرا على احتواء كل هذه الكميات من ليرات الذهب و التي بمقدورها أن تغري لعاب باشا طرابلس بالسيلان حتى يقوم بتحريك تلك التجريدة ).
، و تستمر الرواية في سرد أحداثها قائلة انه قد اخذ حبيب بالمشورة ، و سافر قاصدا طرابلس (ولكن لا تذكر لنا الرواية كيف لحبيب أن يسلك تلك القفار الشاسعة وحده ، وهي رحلة طويلة وشاقة محفوفة بالمخاطر وكيف له أن يطوي تلك الصحراء التي يظل فيها القطا بلا زاد ولا دليل و لم تذكر لنا الرواية بأنه على سابق معرفة و خبرة بمسالكها ، أو أنه قد سافر في رفقة أحدى القوافل ، التي كانت تسلك الصحراء الغربية للتجارة)، ويفهم من الرواية أن " حبيب " سافر في رحلته إلى طرابلس ممتطياً فرسه وحيدا ( ومن المعروف انه في قطع المسافات الطويلة يتم استبدال الفرس في محطات معينة لماَ يعتري الفرس أو الحصان من جهد و تعب يستحيل معه متابعة الطريق و لم تذكر لنا الرواية أيضا انه كان يريح الفرس أثناء رحلته من عناء الطريق.لتداهمنا على حين غرة بحادثة مرّور حبيب في طريق سفره بكوية الملح " بنغازي " ) ، وتقول الرواية : أنه لما وصل لكوية الملح "بنغازي" احتاج إلى نعل لفرسه ، ومكث يومين يتردد على أحد الحدادين هناك ، يجيء في الصباح ويظل واقفاً حتى الظهيرة ، وحين سأله الحداد عن حاجته أجابه : بأن فرسه حافية وليس لديه نقود يدفعها ثمناً لتنعيلها ( في الوقت الذي كان يملك فيه .. حسب الرواية مالا برقبة النعامة يمكنه من تنعيلها لأنها وسيلته للوصول الى المرام كما لم تذكر لنا انه بفعله هذا حاول ادخار الليرات لتحقيق الهدف المنشود ألا و هو جلب التجريدة .. ولم تذكر لنا في هذه الحالة انه قام بإخفاء رقبة النعام المملؤة بالليرات الذهبية حتى لا يلحظها الحداد فيطمع في طلب اجره) و تقول الرواية انه قد سخر منه الحداد وقال متهكماً : أتريد تنعيلاً كاملاً أم نصف تنعيل ؟ ولكن حبيب رد عليه ببيتين من الشعر الشعبي شاكراً حسن صنيعه مادحاً سعة جوده وكرمه فقال :
بالصــدر مـا نقرضــوك أو بالقفل نمشوا رضـايـا
وانـت كـيف معطـن العـد اللي يجوك يمشوا روايـا
( الصدر هو مقدم النعل وفي اصطلاح الليبيين هو نعل الرجلين الأماميتين للخيل ، والقفل هو نعل أرجلها الأربعة .. ومعطن العد هو البئر الذي له مادة جارية .. فيقول حبيب : لا نذمك بصنع الصدر وبالقفل نرجع راضيين ، وأنت مثل بئر غزيرة الماء يرتوي منها كل وارد .. فقد شبهه بالبئر الغزيرة الماء في الجود و العطاء .)
فأثار المدح النخوة في نفس الحداد ، ونعل له فرسه بدون ثمن ، واستأنف حبيب سفره حتى بلغ مدينة طرابلس ( و لا تذكر لنا الرواية أي حدث آخر أثناء هذه الرحلة الطويلة و المفازات الموحشة ) وهناك وكما تقول الرواية وصل الى قصر الحاكم ( السرايا الحمراء ) إلا انه لم يطلب أذنا بالمثول بين يديه بل لجأ إلى تناول قوت يومه من فضلات زبالة الحاكم التي كان يتم رميها كما تقول الرواية بالقرب من قصر الحاكم ( السرايا الحمراء ) لإثارة انتباه الحرس وصادف في تلك الأثناء خروج ابن الحاكم للعب فأثار هذا المنظر فضوله فأقترب من حبيب الذي بادر بأعطاء ابن حاكم البلاد ليرة ذهب عصملية ليدخل هذا الولد لامه و يريها الليرة وتقول الرواية ان هذه الحادثة قد تكررت عدة مرات لدرجة ابتهجت فيها ام ابن حاكم البلاد فأسترقت النظر من أحدى شرفات السرايا لتستطلع أمر هذا الغريب فوجدت عليه ثياب فاخرة فأدركت ان وراء هذا الغريب امر ما فأخبرت زوجها بالحادثة فما كان من أمر هذا الحاكم إلا أن اصدر أوامره بمثول هذا الشخص بين يديه ليعرف منه ما هي قصته و حضر حبيب أمام حاكمها و كان اسمه " محمود " كما تقول الرواية ، وشرح له ما جرى له ولقومه وانشده بيتين من الشعر هما :
نـا بـوي يـا بي "محمود" مقتول ظلم ما له جنايـة
ميــر وطن لكم محسـود دلــوه نـاساً رعــايا
( يقول أن أبي يا "محمود بي" قتل ظلما من غير ذنب جناه ، أنه أمير في وطنه وبين قومه ولكنه كان محسوداً تواطأ على قتله أناس رعاع . و من الثابت تاريخيا ان طرابلس عبر كل تاريخها في العهد العثماني الأول و العهد القرمنللي و العهد العثماني الثاني بأنها بشوية و ليست بكوية أي أن حاكمها باشا و ليس بيك والفرق في الرتب تماما كالفرق بين الملازم و العميد هذا مثلا كما أن الطامة الكبرى إن طرابلس عبر تاريخ حكامها في العهد العثماني الأول و المفترض ان هذه الأحداث قد وقعت فيه لم يحكمها شخص باسم " البي محمود أو احد بمرادفات هذا الاسم"فيما عدا بعض الدايات في نهاية العهد العثماني الأول جلّهم لم يعمروا في الحكم طويلا فيا ترى من محمود هذا ؟ الذي ناشده واستعطفه حبيب؟ و من اين جاء ؟ إلا إذا كان المقصود هو محمود باي الكيخيا بن خلف الكرملي آمر السجن آنذاك و هو لا يملك قصرا و لا يملك اخراج التجاريد ثم سيجرنا هذا







































