مسرحية (الطيف)


الشخصيات : امرأة خمسينية
شاب
الفصل الاول
المكان
مزار على جدرانه تنعقد الأمنيات بقطع قماش خضراء وشموع تتوزع بشكل عشوائي في المكان وتثبت عارضة كبيرة على الجدار وتتوسط المسرح بينما تتوسط المرأة كل ذلك بعد أن تبخر نفسها بعود من البخور المعلق أمامها لتجلس بعدها وتعطي ظهرها للجمهور وتقابل جدار الأمنيات بجلسة ابتهال وصلاة وبخور يخرج من احدى زوايا المكان ويسلط عليه ضوء أبيض وعلى المرأة أيضا تتركز بقعة ضوء أخرى مع موسيقى حزينة خافتة .
- (المرأة مبتهلة وظهرها للجمهور )
إلهي أفرغ علينا
صباحا أنيق الحواشي
بلا كسر ٍ من أنين
صباح الخميس ياولدي ..
ياطيف روحي وهي تعبر المدى بحثا عن عطر خطواتك فوق جلد الارض .. أتترك هذا الخميس أيضا؟ ..إنه موعد إجازتك مع رفاقك .. ستأتي وإن تاخرت .. قلبي الذي هتف لصرختك الاولى يخبرني بذلك ..
(تنهض وتستدير للجمهور وتسترسل ) بطني التي سورتك تسعة أشهر تؤكد لي هذا ..
(تمسك بطنها وتنظر اليها ) لماذا لم أبقك فيها ؟ أية حماقة جعلتني أطلقك في المحرقة الكبيرة التي تبتلع كل خضرة الأرض ؟
لكن .. لو لم اطلقك .. من كان سيحرث الخراب ويزرع ضحكته في كل مكان؟
من كان ليمسح الأسى عن جبهة سنواتي العجاف قبلك؟
تحدث معي ياولدي ..لماذا تدعني هكذا أحدث نفسي كل ليلة ؟
(تسمع أصوات وهمهمة في الخارج فتخاطب الجمهور مستبشرة ):
ألم أقل لكم إنه سيأتي ؟ هاهو صوت رفاقه وهم ينزلون في الإجازة ..اليوم هو الخميس .. وسيأتي في أية لحظة ليرمي بتعبه وغبار الحرب فوق كتفي
كما كان يرمي بعبثه وهو صغير ..
(تستدرك وتتحرك بسرعة وارتباك ) يا الهي لقد تأخرت ! ماهذا الذي أفعله يجب أن أغادر وأحضّر لك الطعام الذي تحب والحمّام لتغسل غبار الموت عنك ..
هل قلت الموت؟ (بعصبية ) لن أغفر لنفسي .. لن أغفر لها ..
اغفر لي يا ولدي إنها زلّة لسان .. زلّة قلب .. سأعمل الطعام الذي تحب .. وسأوزع منه لجاراتنا أيضا وأقول لهن إنه منك ..
لقد اشتقن إليك أيضا… لعلك ترحمنا في هذا الخميس وتكفّ عن الغياب ..(تصمت برهة وكأنها تكتشف شيئا )
أكاد أشم رائحتك .. ( تنصت وكأنها تستمع لشيء) نعم .. هذا وقع خطواتك ..
(تصيح بلوعة وتضم الفرغ بين ذراعيها ) وهذا دفء جسدك يقترب مني ..
(يدخل شاب يرندي ملابس بيضاء وكأنه طيف لاتراه لكنها تشعر به ..ولاتسمعه وهو يراها ويسمعها
يقتربان من بعضهما حتى يستقران بخطوات وئيدة وسط المسرح )
المرأة - ( تحرك يدها بالقرب منه ) أكاد المس وجهك الحبيب .. شاربك الصغير ..
كم أصبحت وسيما في الغياب ؟
الإبن- كم اشتقت لرائحة حنانك التي لم أجد مثيلها حتى في الجنان ؟
المرأة ( لاتسمعه وتستمر في كلامها ) - كنت أعرف إنك ستأتي .. ستترك كل جنان السماء وتأتي لجحيم أمك الأرضي ..
الإبن( مخاطبا الجمهور ) :
الأمهات محنة صقيلة ..
قلت هذا
لأكثر من رجل كامل العقوق
فلم يصدقني المساء الأبله
وأعيد واصقل:
الأمهات محنة
إنهن لا يسمحن لنا بالموت المبكر
على الإطلاق
حتى بعد الموت
إنهن لا يسمحن لنا بالشيخوخة حتى
وتسلق جبال الأيام
والابتعاد عن ساحة الروح الأمامية
ولا البكاء على أطلال الكلمات
المرأة ( مخاطبة الجمهور وهي تدور في المسرح - ) غيابه يأكل ليلي ونهاراتي .. لكن صوت السماء كان يهمس في سر حزني كل ليلة:
-
إبتهجي
سيمر عليك
عشيّة كل خميس
فوق جواد الريح
يدق الابواب
يقبل جدران الحي بصمت
(مخاطبة ابنها ) بيتنا ينتظرك وحديقتك التي ذبلت عليك ..مثلي ..
غرفتك وأوراقك وصور حبيباتك التي أزيح عنها الغبار والنسيان كل صباح ..
الكل يتصورني مجنونة ..وحدي أعرف إنك ستعود اليها .. الينا معا ..
(يعلو صوت عصافير / تخاطب المرأة الجمهور)
كان صديقا للعصافير واسراب النمل
رقيقا كالنسائم التي تهللت
لما الصق صرخته الاولى
بأكف القابلة المحزونة
فابتسم مقص الحبل السري
في الصحن المائي
قالت جدته لأكبر أخوته :
( صوت طفل رضيع يضحك )
- خذ سرّه للجامع
قلت أنا :
- للمدرسة……….
لحقل الحنطة قال الأب
وقال البائع -من باب النصح-
ازرعه بواجهة الشارع
واختلفوا………………
(صوت رياح وتتغير نبر
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ